تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
نقول : عام دخول التتار بغداد ، ولذلك فالدخول في قوله :
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ
هو دخول الغزو فيتعين أن يكون ضمير
دُخِلَتْ
عائدا إلى مدينة يثرب لا إلى البيوت من قولهم
إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
[ الأحزاب : 13 ] ، والمعنى : لو غزيت المدينة من جوانبها إلخ . . . وقوله
عَلَيْهِمْ
يتعلق ب
دُخِلَتْ
لأن بناء
دُخِلَتْ
للنائب مقتض فاعلا محذوفا . فالمراد : دخول الداخلين على أهل المدينة كما جاء على الأصل في قوله
ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ
في سورة العقود [ 23 ] . والأقطار : جمع قطر - بضم القاف وسكون الطاء - وهو الناحية من المكان . وإضافة ( أقطار ) وهو جمع تفيد العموم ، أي : من جميع جوانب المدينة وذلك أشد هجوم العدوّ على المدينة كقوله تعالى :
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
[ الأحزاب : 10 ] . وأسند فعل
دُخِلَتْ
إلى المجهول لظهور أن فاعل الدخول قوم غزاة . وقد أبدى المفسرون في كيفية نظم هذه الآية احتمالات متفاوتة في معاني الكلمات وفي حاصل المعنى المراد ، وأقربها ما قاله ابن عطية على غموض فيه ، ويليه ما في « الكشاف » . والذي ينبغي التفسير به أن تكون جملة
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ
في موضع الحال من ضمير
يُرِيدُونَ
[ الأحزاب : 13 ] أو من ضمير
وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ
زيادة في تكذيب قولهم
إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
[ الأحزاب : 13 ] . والضمير المستتر في
دُخِلَتْ
عائد إلى المدينة لأن إضافة الأقطار يناسب المدن والمواطن ولا يناسب البيوت . فيصير المعنى : لو دخل الغزاة عليهم المدينة وهم قاطنون فيها . و
ثُمَّ
للترتيب الرتبي ، وكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالواو لا ب
ثُمَّ
لأن المذكور بعد
ثُمَّ
هنا داخل في فعل شرط
لَوْ
ووارد عليه جوابها ، فعدل عن الواو إلى
ثُمَّ
للتنبيه على أن ما بعد
ثُمَّ
أهم من الذي قبلها كشأن
ثُمَّ
في عطف الجمل ، أي : أنهم مع ذلك يأتون الفتنة ، و
الْفِتْنَةَ
هي أن يفتنوا المسلمين ، أي : الكيد لهم وإلقاء التخاذل في جيش المسلمين . ومن المفسرين من فسّر الفتنة بالشرك ولا وجه له ومنهم من فسرها بالقتال وهو بعيد . والإتيان : القدوم إلى مكان . وقد أشعر هذا الفعل بأنهم يخرجون من المدينة التي كانوا فيها ليفتنوا المسلمين ، وضمير النصب في أتوها عائد إلى
الْفِتْنَةَ
والمراد مكانها وهو مكان المسلمين ، أي لأتوا مكانها ومظنتها . وضمير
بِها
للفتنة ، والباء للتعدية . وجملة
وَما تَلَبَّثُوا بِها
عطف على جملة
لَآتَوْها
. والتلبّث : اللبث ، أي :