تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وانتصب
الظُّنُونَا
على المفعول المطلق المبين للعدد ، وهو جمع ظن . وتعريفه باللام تعريف الجنس ، وجمعه للدلالة على أنواع من الظن كما في قول النابغة :
أتيتك عاريا خلقا ثيابي * على خوف تظن بي الظنون
وكتب
الظُّنُونَا
في الإمام بألف بعد النون ، زيدت هذه الألف في النطق للرعاية على الفواصل في الوقوف ، لأن الفواصل مثل الأسجاع تعتبر موقوفا عليها لأن المتكلم أرادها كذلك . فهذه السورة بنيت على فاصلة الألف مثل القصائد المقصورة ، كما زيدت الألف في قوله تعالى
وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا
[ الأحزاب : 66 ] وقوله :
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
[ الأحزاب : 67 ] . وعن أبي علي في « الحجة » : من أثبت الألف في الوصل لأنها في المصحف كذلك وهو رأس آية ورؤوس الآيات تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع ، فأما في طرح الألف في الوصل فإنه ذهب إلى أن ذلك في القوافي وليس رؤوس الآي بقواف . فأما القراء فقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بإثبات الألف في الوصل والوقف . وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم والكسائي بحذف الألف في الوصل وإثباتها في الوقف . وقرأ أبو عمرو وحمزة ويعقوب بحذف الألف في الوصل والوقف ، وقرأ خلف بإثبات الألف بعد النون في الوقف وحذفها في الوصل . وهذا اختلاف من قبيل الاختلاف في وجوه الأداء لا في لفظ القرآن . وهي كلها فصيحة مستعملة والأحسن الوقف عليها لأن الفواصل كالأسجاع والأسجاع كالقوافي . والإشارة ب
هُنالِكَ
إلى المكان الذي تضمنه قوله
جاءَتْكُمْ جُنُودٌ
[ الأحزاب : 9 ] وقوله
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
. والأظهر أن تكون الإشارة إلى الزمان الذي دلت عليه
إِذْ
في قوله :
وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ
. وكثيرا ما ينزّل أحد الظرفين منزلة الآخر ولهذا قال ابن عطية :
هُنالِكَ
: ظرف زمان والعامل فيه
ابْتُلِيَ
ا ه . قلت : ومنه دخول ( لات ) على ( هنّا ) في قول حجل بن نضلة :
خنت نوار ولات هنّا حنت * وبدا الذي كانت نوار أجنت
فإن ( لات ) خاصة بنفي أسماء الزمان فكان ( هنّا ) إشارة إلى زمان منكر وهو لغة في ( هنا ) . ويقولون : يوم هنا ، أي يوم أول ، فيشيرون إلى زمن قريب ، وأصل ذلك مجاز توسع فيه وشاع . والابتلاء : أصله الاختبار ، ويطلق كناية عن إصابة الشدة لأن اختبار حال الثبات والصبر لازم لها ، وسمى اللّه ما أصاب المؤمنين ابتلاء إشارة إلى أنه لم يزعزع إيمانهم . والزلزال : اضطراب الأرض ، وهو مضاعف زلّ تضعيفا يفيد المبالغة ، وهو هنا