« المقامة الحادية عشرة » : « فلما ألحدوا الميت ، وفات قول ليت ، أشرف شيخ من رباوة ، متحضر بهراوة ، فقال : لمثل هذا فليعمل العاملون ، فاذكروا أيها الغافلون ، وشمروا أيها المقصرون » إلخ . . . فأما القلوب القاسية ، والنفوس المتعاصية ، فلن تأسوها آسية .
ولاعتبار هذا الموقع جعلت الجملة استئنافا لأنها بمنزلة الفذلكة والنتيجة .
والتقوى تبتدئ من الاعتراف بوجود الخالق ووحدانيته وتصديق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وتنتهي إلى اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات في الظاهر والباطن في سائر الأحوال . وتقدم تفصيلها عند قوله تعالى
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
في سورة البقرة [ 2 ] وتقدم نظير هذا في سورة الحج [ 32 ] .
وخشية اليوم : الخوف من أهوال ما يقع فيه إذ الزمان لا يخشى لذاته ، فانتصب
يَوْماً
على المفعول به . والأمر بخشيته تتضمن وقوعه فهو كناية عن إثبات البعث وذلك حظ المشركين منه الذين لا يؤمنون به حتى صار سمة عليهم قال تعالى
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
[ الفرقان : 21 ] .
وجملة
لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ
إلخ صفة يوم وحذف منها العائد المجرور ب ( في ) توسعا بمعاملته معاملة العائد المنصوب كقوله
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
في سورة البقرة [ 48 ] .
وجزى إذا عدي ب
عَنْ
فهو بمعنى قضى عنه ودفع عنه ، ولذلك يقال للمتقاضي :
المتجازي .
وجملة
وَلا مَوْلُودٌ
إلخ عطف على الصفة و
مَوْلُودٌ
مبتدأ . و
هُوَ
ضمير فصل . و
جازٍ
خبر المبتدأ .
وذكر الوالد والولد هنا لأنهما أشد محبة وحمية من غيرهم فيعلم أن غيرهما أولى بهذا النفي ، قال تعالى :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
الآية [ عبس : 34 - 35 ] .
وابتدئ بالوالد لأنه أشد شفقة على ابنه فلا يجد له مخلصا من سوء إلا فعله .
ووجه اختيار هذه الطريقة في إفادة عموم النفي هنا دون طريقة قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً *
في سورة البقرة [ 123 ] ، أن هذه الآية نزلت بمكة وأهلها يومئذ خليط من مسلمين وكافرين ، وربما كان الأب مسلما والولد كافرا وربما كان