تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
وسادسه : أنه لا يجوز بحكم التعقل أن تستأصل أمة كاملة لتوقع مفسد فيها لعدم التوازن بين المفسدتين ، ولأن الإحاطة بأفراد أمة كاملة متعذرة فلا يكون المتوقع فساده إلا في الجانب المغفول عنه من الأفراد فتحصل مفسدتان هما أخذ البريء وانفلات المجرم . وسابعه : تعليم أن اللّه بالغ أمره بتهيئة الأسباب المفضية إليه ولو شاء اللّه لأهلك فرعون ومن معه بحادث سماوي ولمّا قدّر لإهلاكهم هذه الصورة المرتبة ولأنجى موسى وبني إسرائيل إنجاء أسرع ولكنه أراد أن يحصل ذلك بمشاهدة تنقلات الأحوال ابتداء من إلقاء موسى في اليمّ إلى أن ردّه إلى أمه فتكون في ذلك عبرة للمشركين الذين
قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ الأنفال : 32 ] وليتوسموا من بوارق ظهور النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وانتقال أحوال دعوته في مدارج القوة أن ما وعدهم به واقع بأخرة . وثامنه : العبرة بأن وجود الصالحين من بين المفسدين يخفف من لأواء فساد المفسدين فإن وجود امرأة فرعون كان سببا في صد فرعون عن قتل الطفل مع أنه تحقق أنه إسرائيلي فقالت امرأته
لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
[ القصص : 9 ] كما قدمنا تفسيره . وتاسعه : ما في قوله
وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
من الإيماء إلى تذكير المؤمنين بأن نصرهم حاصل بعد حين ، ووعيد المشركين بأن وعيدهم لا مفرّ لهم منه . وعاشره : ما في قوله
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
من الإشارة إلى أن المرء يؤتى من جهله النظر في أدلة العقل . ولما في هذه القصة من العبر اكتفى مصعب بن الزبير بطالعها عن الخطبة التي حقه أن يخطب بها في الناس حين حلوله بالعراق من قبل أخيه عبد اللّه بن الزبير مكتفيا بالإشارة مع التلاوة فقال
طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ
وأشار إلى جهة الشام يريد عبد الملك بن مروان
وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
وأشار بيده نحو الحجاز ، يعني أخاه عبد اللّه بن الزبير وأنصاره ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما وأشار إلى العراق يعني الحجاج
مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
[ القصص : 1 - 6 ] .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 27 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور