تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
تقدم نظير قوله
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ
في سورة طه [ 40 ] . وقوله
وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
فإنما تأكيد حرف
كَيْ
بمرادفه وهو لام التعليل للتنصيص من أول وهلة على أنه معطوف على الفعل المثبت لا على الفعل المنفي . وضمير
أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
عائد إلى الناس المفهوم من المقام أو إلى رعية فرعون ، ومن الناس بنو إسرائيل . والاستدراك ناشئ عن نصب الدليل لها على أن وعد اللّه حق ، أي فعلمت ذلك وحدها وأكثر القوم لا يعلمون ذلك لأنهم بين مشركين وبين مؤمنين تقادم العهد على إيمانهم وخلت أقوامهم من علماء يلقنونهم معاني الدين فأصبح إيمانهم قريبا من الكفر . وموضع العبرة من هذه القصة أنها تتضمن أمورا ذات شأن فيها ذكرى للمؤمنين وموعظة للمشركين . فأول ذلك وأعظمه : إظهار أن ما علمه اللّه وقدّره هو كائن لا محالة كما دل عليه قوله
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
إلى قوله
يَحْذَرُونَ
[ القصص : 5 ، 6 ] وأن الحذر لا ينجي من القدر . وثانيه : إظهار أن العلو الحق للّه تعالى وللمؤمنين وأن علو فرعون لم يغن عنه شيئا في دفع عواقب الجبروت والفساد ليكون ذلك عبرة لجبابرة المشركين من أهل مكة . وثالثه : أن تمهيد القصة بعلو فرعون وفساد أعماله مشير إلى أن ذلك هو سبب الانتقام منه والأخذ بناصر المستضعفين ليحذر الجبابرة سوء عاقبة ظلمهم وليرجو الصابرون على الظلم أن تكون العاقبة لهم . ورابعه : الإشارة إلى حكمة
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
[ البقرة : 216 ] في جانب بني إسرائيل
وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
[ البقرة : 216 ] في جانب فرعون إذ كانوا فرحين باستخدام بني إسرائيل وتدبير قطع نسلهم . وخامسه : أن إصابة قوم فرعون بغتة من قبل من أملوا منه النفع أشد عبرة للمعتبر وأوقع حسرة على المستبصر ، وأدل على أن انتقام اللّه يكون أعظم من انتقام العدو كما قال
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] مع قوله
عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
[ القصص : 9 ] .