تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
المشركين كانوا يقولون للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو كففت عن شتم آلهتنا وآبائنا وتسفيه آرائنا لاتّبعناك » . ويجوز أن تكون الفاء للتفريع على وعيد الكافرين بقوله :
لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
[ مريم : 94 ، 95 ] . ووعد المؤمنين بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
[ مريم : 96 ] . والمفرّع هو مضمون
لِتُبَشِّرَ بِهِ
إلخ
وَتُنْذِرَ بِهِ
إلخ ، أي ذلك أثر الإعراض عما جئت به من النذارة ، وأثر الإقبال على ما جئت به من البشارة مما يسرناه بلسانك فإنا ما أنزلناه عليك إلّا لذلك . وضمير الغائب عائد إلى القرآن بدلالة السّياق مثل :
حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ
[ ص : 32 ] . وبذلك علم أن التيسير تسهيل قراءة القرآن . وهذا إدماج للثناء على القرآن بأنه ميسّر للقراءة ، كقوله تعالى :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *
[ القمر : 32 ] . واللّسان : اللّغة ، أي بلغتك ، وهي العربية ، كقوله :
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
[ الشعراء : 192 - 195 ] ؛ فإن نزول القرآن بأفضل اللغات وأفصحها هو من أسباب فضله على غيره من الكتب وتسهيل حفظه ما لم يسهل مثله لغيره من الكتب . والباء للسببية أو المصاحبة . وعبر عن الكفار بقوم لدّ ذمّا لهم بأنهم أهل إيغال في المراء والمكابرة ، أي أهل تصميم على باطلهم ، فاللّد : جمع ألدّ ، وهو الأقوى في اللّدد ، وهو الإباية من الاعتراف بالحق . وفي الحديث الصحيح : « أبغض الرجال إلى اللّه الألدّ الخصم » . ومما جره الإشراك إلى العرب من مذام الأخلاق التي خلطوا بها محاسن أخلاقهم أنهم ربما تمدحوا باللّدد ، قال بعضهم في رثاء البعض :
إن تحت الأحجار حزما وعزما * وخصيما ألدّ ذا مغلاق
وقد حسن مقابلة المتقين بقوم لدّ ، لأن التقوى امتثال وطاعة والشرك عصيان ولدد . وفيه تعريض بأن كفرهم عن عناد وهم يعلمون أن ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم هو الحق ، كما قال تعالى :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] . وإيقاع لفظ القوم عليهم للإشارة إلى أن اللّدد شأنهم ، وهو الصفة التي تقومت منها قوميتهم ، كما تقدم في قوله تعالى :
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
في سورة البقرة [ 164 ] ، وقوله