تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
وقرأ الجمهور مخلصا بكسر اللام من أخلص القاصر إذا كان الإخلاص صفته . والإخلاص في أمر ما : الإتيان به غير مشوب بتقصير ولا تفريط ولا هوادة ، مشتق من الخلوص ، وهو التمحض وعدم الخلط . والمراد هنا : الإخلاص فيما هو شأنه ، وهو الرسالة بقرينة المقام . وقرأه حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف بفتح اللام من أخلصه ، إذا اصطفاه . وخص موسى بعنوان ( المخلص ) على الوجهين لأن ذلك مزيته ، فإنه أخلص في الدعوة إلى اللّه فاستخف بأعظم جبار وهو فرعون ، وجادله مجادلة الأكفاء ، كما حكى اللّه عنه في قوله تعالى في سورة الشعراء [ 18 ، 19 ] :
قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
إلى قوله :
قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
. وكذلك ما حكاه اللّه عنه بقوله :
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
[ القصص : 17 ] ، فكان الإخلاص في أداء أمانة اللّه تعالى ميزته . ولأن اللّه اصطفاه لكلامه مباشرة قبل أن يرسل إليه الملك بالوحي ، فكان مخلصا بذلك ، أي مصطفى ، لأن ذلك مزيته قال تعالى
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[ طه : 41 ] . والجمع بين وصف موسى لأنه رسول ونبيء . وعطف نبيئا على
رَسُولًا
مع أن الرسول بالمعنى الشرعي أخص من النبي ، فلأن الرسول هو المرسل بوحي من اللّه ليبلغ إلى الناس فلا يكون الرسول إلا نبيئا ، وأما النبي فهو المنبّأ بوحي من اللّه وإن لم يؤمر بتبليغه ، فإذا لم يؤمر بالتبليغ فهو نبيء وليس رسولا ، فالجمع بينهما هنا لتأكيد الوصف ، إشارة إلى أن رسالته بلغت مبلغا قويا ، فقوله نبيئا تأكيد لوصف
رَسُولًا
. وتقدم اختلاف القراء في لفظ نبيئا عند ذكر إبراهيم . وجملة
وَنادَيْناهُ
عطف على جملة
إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً
فهي مثلها مستأنفة . والنداء : الكلام الدال على طلب الإقبال ، وأصله : جهر الصوت لإسماع البعيد ، فأطلق على طلب إقبال أحد مجازا مرسلا ، ومنه
إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
[ الجمعة : 9 ] ، وهو مشتق من الندى - بفتح النون وبالقصر - وهو بعد الصوت . ولم يسمع فعله إلّا بصيغة المفاعلة ، وليست بحصول فعل من جانبين بل المفاعلة للمبالغة ، وتقدم عند قوله تعالى :
كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
في سورة البقرة [ 171 ] ، وعند قوله :
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 54 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور