تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
وكان إدريس نبيئا ، ففي الإصحاح الخامس من سفر التكوين « وسار أخنوخ مع اللّه » . قيل : هو أول من وضع للبشر عمارة المدن ، وقواعد العلم ، وقواعد التربية ، وأول من وضع الخط ، وعلّم الحساب بالنجوم وقواعد سير الكواكب ، وتركيب البسائط بالنّار فلذلك كان علم الكيمياء ينسب إليه ، وأوّل من علم الناس الخياطة . فكان هو مبدأ من وضع العلوم ، والحضارة ، والنظم العقليّة . فوجه تسميته في القرآن بإدريس أنّه اشتق له اسم من الفرس على وزن مناسب للأعلام العجميّة ، فلذلك منع من الصرف مع كون حروفه من مادة عربية ، كما منع إبليس من الصرف ، وكما منع طالوت من الصرف . وتقدّم اختلاف القراء في لفظ نبيئا عند ذكر إبراهيم . وقوله
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا
قال جماعة من المفسرين هو رفع مجازي . والمراد : رفع المنزلة ، لما أوتيه من العلم الذي فاق به على من سلفه . ونقل هذا عن الحسن . وقال به أبو مسلم الأصفهاني . وقال جماعة : هو رفع حقيقي إلى السماء ، وفي الإصحاح الخامس من سفر التكوين « وسار أخنوخ مع اللّه ولم يوجد لأنّ اللّه أخذه » ، وعلى هذا فرفعه مثل رفع عيسى عليه السلام . والأظهر أن ذلك بعد نزع روحه وروحنة جثته . ومما يذكر عنه أنّه بقي ثلاث عشرة سنة لا ينام ولا يأكل حتى تروحن ، فرفع . وأما حديث الإسراء فلا حجة فيه لهذا القول لأنه ذكر فيه عدة أنبياء غيره وجدوا في السماوات . ووقع في حديث مالك بن صعصعة عن الإسراء بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم إلى السماوات أنه وجد إدريس عليه السلام في السماء وأنه لمّا سلّم عليه قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح . فأخذ منه أنّ إدريس عليه السلام لم تكن له ولادة على النبي صلى اللّه عليه وسلم لأنّه لم يقل له والابن الصالح ، ولا دليل في ذلك لأنه قد يكون قال ذلك اعتبارا بأخوّة التوحيد فرجحها على صلة النسب فكان ذلك من حكمته . على أنّه يجوز أن يكون ذلك سهوا من الراوي فإن تلك الكلمة لم تثبت في حديث جابر بن عبد اللّه في « صحيح البخاري » . وقد جزم البخاري في أحاديث الأنبياء بأن إدريس جد نوح أو جدّ أبيه . وذلك يدلّ على أنّه لم ير في قوله « مرحبا بالأخ الصالح » ما ينافي أن يكون أبا للنبي صلى اللّه عليه وسلم . [ 58 ]

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 58 ]

أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 )
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 57 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور