وليس مجازاة اللّه إبراهيم مقصورة على أن وهبه إسحاق ويعقوب ، إذ ليس في الكلام ما يقتضي الانحصار ، فإنه قد وهبه إسماعيل أيضا ، وظهرت موهبته إياه قبل ظهور موهبة إسحاق ، وكل ذلك بعد أن اعتزل قومه .
وإنما اقتصر على ذكر إسحاق ويعقوب دون ذكر إسماعيل فلم يقل : وهبنا له إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، لأن إبراهيم لما اعتزل قومه خرج بزوجه سارة قريبته ، فهي قد اعتزلت قومها أيضا إرضاء لربها ولزوجها ، فذكر اللّه الموهبة الشاملة لإبراهيم ولزوجه ، وهي أن وهب لهما إسحاق وبعده يعقوب ؛ ولأن هذه الموهبة لما كانت كفاء لإبراهيم على مفارقته أباه وقومه كانت موهبة من يعاشر إبراهيم ويؤنسه وهما إسحاق ويعقوب . أما إسماعيل فقد أراد اللّه أن يكون بعيدا عن إبراهيم في مكة ليكون جار بيت اللّه . وإنه لجوار أعظم من جوار إسحاق ويعقوب أباهما .
وقد خصّ إسماعيل بالذكر استقلالا عقب ذلك ، ومثله قوله تعالى :
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
[ ص : 45 ] ثم قال :
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ
في سورة ص [ 48 ] ، وقد قال في آية الصافات [ 99 - 101 ]
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ
إلى أن قال :
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
فذكر هنالك إسماعيل عقب قوله :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
إذ هو المراد بالغلام الحليم .
والمراد بالهبة هنا : تقدير ما في الأزل عند اللّه لأن ازدياد إسحاق ويعقوب كان بعد خروج إبراهيم بمدة بعد أن سكن أرض كنعان وبعد أن اجتاز بمصر ورجع منها . وكذلك ازدياد إسماعيل كان بعد خروجه بمدة وبعد أن اجتاز بمصر كما ورد في الحديث وفي التوراة ، أو أريد حكاية هبة إسحاق ويعقوب فيما مضى بالنسبة إلى زمن نزول القرآن تنبيها بأن ذلك جزاؤه على إخلاصه .
والنكتة في ذكر يعقوب أن إبراهيم رآه حفيدا وسرّ به ، فقد ولد يعقوب قبل موت إبراهيم بخمس عشرة سنة ، وأن من يعقوب نشأت أمّة عظيمة .
وحرف ( لما ) حرف وجود لوجود ، أي يقتضي وجود جوابه لأجل وجود شرطه فتقتضي جملتين ، والأكثر أن يكون وجود جوابها عند وجود شرطها ، وقد تكون بينهما فترة فتدل على مجرد الجزائية ، أي التعليل دون توقيت ، وذلك كما هنا .