وهذه البيّنة هي محمد صلى اللّه عليه وسلم وكتابه القرآن ، لأنّ الرسول موعود به في الكتب السالفة ، ولأنّ في القرآن تصديقا لما في تلك الكتب من أخبار الأنبياء ومن المواعظ وأصول التشريع . وقد جاء به رسول أمي ليس من أهل الكتاب ولا نشأ في قوم أهل علم ومزاولة للتاريخ مع مجيئه بما هو أوضح من فلق الصبح من أخبارهم التي لم يستطع أهل الكتاب إنكارها ، قال تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ البقرة : 146 ] ، وكانوا لا يحققون كثيرا منها بما طرأ عليهم من التفرق وتلاشي أصول كتبهم وإعادة كتابة كثير منها بالمعنى على حسب تأويلات سقيمة .
وأما القرآن فما حواه من دلائل الصدق والرشاد ، وما امتاز به عن سائر الكتب من البلاغة والفصاحة البالغتين حد الإعجاز ، وهو ما قامت به الحجّة على العرب مباشرة وعلى غيرهم استدلالا . وهذا مثل قوله تعالى :
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً
[ البينة : 1 - 2 ] .
وقرأ نافع ، وحفص ، وابن جماز عن أبي جعفر
تَأْتِهِمْ
- بتاء المضارع للمؤنث - .
وقرأه الباقون بتحتية المذكر لأنّ تأنيث
بَيِّنَةُ
غير حقيقي ، وأصل الإسناد التذكير لأنّ التذكير ليس علامة ولكنه الأصل في الكلام .
[ 134 ]
[ سورة طه ( 20 ) : آية 134 ]
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى ( 134 )
الذي يظهر أن جملة
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ
معطوفة على جملة
أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى
[ طه : 133 ] ، وأنّ المعنى على الارتقاء في الاستدلال عليهم بأنّهم ضالّون حين أخروا الإيمان بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم وجعلوه متوقفا على أن يأتيهم بآية من ربّه ، لأنّ ما هم متلبسون به من الإشراك باللّه ضلال بيّن قد حجبت عن إدراك فساده العادات واشتغال البال بشؤون دين الشرك ، فالإشراك وحده كاف في استحقاقهم العذاب ولكن اللّه رحمهم فلم يؤاخذهم به إلّا بعد أن أرسل إليهم رسولا يوقظ عقولهم . فمجيء الرسول بذلك كاف في استدلال العقول على فساد ما هم فيه ، فكيف يسألون بعد ذلك إتيان الرسول لهم بآية على صدقه فيما دعاهم إليه من نبذ الشرك لو سلّم لهم جدلا أن ما جاءهم من البيّنة ليس هو بآية ، فقد بطل عذرهم من أصله ، وهو قولهم
رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ
. وهذا كقوله تعالى :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ