تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ
[ الأنعام : 156 ] . فالضمير في قوله
مِنْ قَبْلِهِ
عائد إلى القرآن الذي الكلام عليه ، أو على الرسول باعتبار وصفه بأنه بيّنة ، أو على إتيان البيّنة المأخوذ من
أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى
[ طه : 133 ] . وفي هذه الآية دليل على أنّ الإيمان بوحدانية خالق الخلق يقتضيه العقل لولا حجب الضلالات والهوى ، وأن مجيء الرسل لإيقاظ العقول والفطر ، وأن اللّه لا يؤاخذ أهل الفترة على الإشراك حتى يبعث إليهم رسولا ، وأنّ قريشا كانوا أهل فترة قبل بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم . ومعنى
لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
: أنهم يقولون ذلك يوم الحساب بعد أن أهلكهم اللّه الإهلاك المفروض ، لأنّ الإهلاك بعذاب الدنيا يقتضي أنهم معذبون في الآخرة . و ( لولا ) حرف تحضيض ، مستعمل في اللوم أو الاحتجاج لأنّه قد فات وقت الإرسال ، فالتقدير : هلّا كنت أرسلت إلينا رسولا وانتصب
فَنَتَّبِعَ
على جواب التحضيض باعتبار تقدير حصوله فيما مضى . والذل : الهوان . والخزي : الافتضاح ، أي الذل بالعذاب . والخزي في حشرهم مع الجناة كما قال إبراهيم - عليه السلام -
وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
[ الشعراء : 87 ] . [ 135 ]

[ سورة طه ( 20 ) : آية 135 ]

قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى ( 135 ) جواب عن قولهم
لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ
[ طه : 133 ] وما بينهما اعتراض . والمعنى : كل فريق متربص فأنتم تتربصون بالإيمان ، أي تؤخرون الإيمان إلى أن تأتيكم آية من ربّي ، ونحن نتربص أن يأتيكم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ، وتفرع عليه جملة
فَتَرَبَّصُوا
. ومادة الفعل المأمور به مستعملة في الدوام بالقرينة ، نحو
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ النساء : 136 ] ، أي فداوموا على تربصكم . وصيغة الأمر فيه مستعملة في الإنذار ، ويسمى المتاركة ، أي نترككم وتربصكم لأنا