تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
مؤمنون بسوء مصيركم . وفي معناه قوله تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ
[ السجدة : 30 ] . وفي ما يقرب من هذا جاء قوله
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
[ التوبة : 52 ] . وتنوين
كُلٌّ
تنوين عوض عن المضاف إليه المفهوم من المقام ، كقول الفضل بن عبّاس اللّهبي :
كلّ له نية في بغض صاحبه * بنعمة اللّه نقليكم وتقلونا
والتربص : الانتظار . تفعّل من الربص ، وهو انتظار حصول حدث من خير أو شرّ ، وقد تقدّم في سورة براءة . وفرع على المتاركة إعلامهم بأنهم يعلمون في المستقبل من من الفريقين أصحاب الصراط المستقيم ومن هم المهتدون . وهذا تعريض بأن المؤمنين هم أصحاب الصراط المستقيم المهتدون ، لأنّ مثل هذا الكلام لا يقوله في مقام المحاجّة والمتاركة إلا الموقن بأنه المحق . وفعل ( تعلمون ) معلق عن العمل لوجود الاستفهام . والصراط : الطريق . وهو مستعار هنا للدّين والاعتقاد ، كقوله
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 6 ] . والسوي : فعيل بمعنى مفعول ، أي الصراط المسوّى ، وهو مشتق من التسوية . والمعنى : يحتمل أنهم يعلمون ذلك في الدنيا عند انتشار الإسلام وانتصار المسلمين ، فيكون الذين يعلمون ذلك من يبقى من الكفار المخاطبين حين نزول الآية سواء ممن لم يسلموا مثل أبي جهل ، وصناديد المشركين الذين شاهدوا نصر الدين يوم بدر ، أو من أسلموا مثل أبي سفيان ، وخالد بن الوليد . ومن شاهدوا عزّة الإسلام . ويحتمل أنهم يعلمون ذلك في الآخرة علم اليقين . وقد جاءت خاتمة هذه السورة كأبلغ خواتم الكلام لإيذانها بانتهاء المحاجة وانطواء بساط المقارعة . ومن محاسنها : أن فيها شبيه رد العجز على الصدر لأنّها تنظر إلى فاتحة السورة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 212 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور