تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وقوله
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً
اللام في
لَكَ
استعارة تهكمية ، كقوله تعالى :
وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ الإسراء : 7 ] أي فعليها . وتوعده بعذاب الآخرة فجعله موعدا له ، أي موعد الحشر والعذاب ، فالموعد مصدر ، أي وعد لا يخلف
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ
[ الروم : 6 ] . وهنا توعّد بعذاب الآخرة . وقرأ الجمهور
لَنْ تُخْلَفَهُ
- بفتح اللّام - مبنيّا للمجهول للعلم بفاعله ، وهو اللّه تعالى ، أي لا يؤخره اللّه عنك ، فاستعير الإخلاف للتأخير لمناسبة الموعد . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب - بكسر اللام - مضارع أخلف وهمزته للوجدان . يقال : أخلف الوعد إذا وجده مخلفا ، وإما على جعل السامريّ هو الذي بيده إخلاف الوعد وأنه لا يخلفه ، وذلك على طريق التهكم تبعا للتهكم الذي أفاده لام الملك . وبعد أن أوعد موسى السامريّ بيّن له وللذين اتبعوه ضلالهم بعبادتهم العجل بأنه لا يستحق الإلهيّة لأنّه معرّض للامتهان والعجز ، فقال :
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً
. فجعل الاستدلال بالنظر إشارة إلى أنه دليل بيّن لا يحتاج المستدل به إلى أكثر من المشاهدة فإن دلالة المحسوسات أوضح من دلالة المعقولات . وأضاف الإله إلى ضمير السامريّ تهكما بالسامريّ وتحقيرا له ، ووصف ذلك الإله المزعوم بطريق الموصولية لما تدلّ عليه الصلة من التنبيه على الضلال والخطأ ، أي الذي لا يستحق أن يعكف عليه . وقوله
ظَلْتَ
- بفتح الظاء - في القراءات المشهورة ، وأصله : ظللت : حذفت منه اللام الأولى تخفيفا من توالي اللامين وهو حذف نادر عند سيبويه وعند غيره هو قياس . وفعل ( ظلّ ) من أخوات ( كان ) . وأصله الدلالة على اتصاف اسمه بخبره في وقت النّهار ، وهو هنا مجاز في معنى ( دام ) بعلاقة الإطلاق بناء على أنّ غالب الأعمال يكون في النّهار . والعكوف : ملازمة العبادة وتقدم آنفا . وتقديم المجرور في قوله
عَلَيْهِ عاكِفاً
للتخصيص ، أي الذي اخترته للعبادة دون غيره ، أي دون اللّه تعالى . وقرأ الجمهور
لَنُحَرِّقَنَّهُ
- بضم النون الأولى وفتح الحاء وكسر الراء مشددة - . والتحريق : الإحراق الشديد ، أي لنحرقنه إحراقا لا يدع له شكلا . وأراد به أن يذيبه بالنّار
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 176 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور