والنبذ : إلقاء ما في اليد .
والأثر : حقيقته : ما يتركه الماشي من صورة قدمه في الرمل أو التراب . وتقدم آنفا عند قوله تعالى :
قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي
[ طه : 84 ] .
وعلى حمل هذه الكلمات على حقائقها يتعين صرف الرسول عن المعنى المشهور ، فيتعين حمله على جبريل فإنه رسول من اللّه إلى الأنبياء . فقال جمهور المفسرين : المراد بالرسول جبريل ، ورووا قصة قالوا : إن السامري فتنه اللّه ، فأراه اللّه جبريل راكبا فرسا فوطئ حافر الفرس مكانا فإذا هو مخضرّ بالنبات . فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حيا ، فأخذ قبضة من ذلك التراب وصنع عجلا وألقى القبضة عليه فصار جسدا ، أي حيا ، له خوار كخوار العجل ، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ . وهذا الذي ذكروه لا يوجد في كتب الإسرائيليين ولا ورد به أثر من السنّة وإنما هي أقوال لبعض السلف ولعلها تسربت للناس من روايات القصاصين .
فإذا صرفت هذه الكلمات الستّ إلى معان مجازية كان
بَصُرْتُ
بمعنى علمت واهتديت ، أي اهتديت إلى علم ما لم يعلموه ، وهو علم صناعة التماثيل والصور الذي به صنع العجل ، وعلم الحيل الذي أوجد به خوار العجل ، وكانت القبضة بمعنى النصيب القليل ، وكان الأثر بمعنى التعليم ، أي الشريعة ، وكان نبذت بمعنى أهملت ونقضت ، أي كنت ذا معرفة إجمالية من هدي الشريعة فانخلعت عنها بالكفر . وبذلك يصح أن يحمل لفظ الرسول على المعنى الشائع المتعارف وهو من أوحي إليه بشرع من اللّه وأمر بتبليغه .
وكان المعنى : إني بعملي العجل للعبادة نقضت اتباع شريعة موسى . والمعنى : أنه اعترف أمام موسى بصنعه العجل واعترف بأنه جهل فضلّ ، واعتذر بأن ذلك سوّلته له نفسه .
وعلى هذا المعنى فسر أبو مسلم الأصفهاني ورجحه الزمخشري بتقديمه في الذكر على تفسير الجمهور واختاره الفخر .
والتسويل : تزيين ما ليس بزين .
والتشبيه في قوله
وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
تشبيه الشيء بنفسه ، كقوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] ، أي كذلك التسويل سولت لي نفسي ، أي تسويلا لا يقبل التعريف بأكثر من ذلك .