تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وعرفوا اللّه بطريق الإضافة إلى ضميرهم : إما لأنهم عرفوا من قبل بأنهم عبدوا اللّه المنزه عن الجسم وخصائص المحدثات ، وإما لأن اللّه لم يكن معروفا باسم علم عند أولئك المشركين الذين يزعمون أن رب الأرباب هو ( جوبيتر ) الممثل في كوكب المشتري ، فلم يكن طريق لتعريفهم الإله الحق إلا طريق الإضافة . وقريب منه ما حكاه اللّه عن قول موسى لفرعون بقوله تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
[ الشعراء : 23 - 24 ] . هذا إن كان القول مسوقا إلى قومهم المشركين قصدوا به إعلان إيمانهم بين قومهم وإظهار عدم الاكتراث بتهديد الملك وقومه ، فيكون موقفهم هذا كموقف بني إسرائيل حين قالوا لفرعون
لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
[ الشعراء : 50 ] ، أو قصدوا به موعظة قومهم بدون مواجهة خطابهم استنزالا لطائرهم على طريقة التعريض من باب ( إيّاك أعني فاسمعي يا جارة ) ، واستقصاء لتبليغ الحق إليهم . وهذا هو الأظهر لحمل القيام على حقيقته ، ولأن القول نسب إلى ضمير جمعهم دون بعضهم ، بخلاف الإسناد في قوله :
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ
[ الكهف : 19 ] تقتضي أن يكون المقول له ذلك فريقا آخر ، ولظهور قصد الاحتجاج من مقالهم ، ويكون قوله :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
خبر المبتدأ إعلاما لقومهم بهذه الحقيقة وتكون جملة
لَنْ نَدْعُوَا
استئنافا . وإن كان هذا القول قد جرى بينهم في خاصتهم تمهيدا لقوله :
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
[ الكهف : 16 ] إلخ . فالتعريف بالإضافة لأنها أخطر طريق بينهم ، ولأنها تتضمن تشريفا لأنفسهم ، ويكون قوله :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
صفة كاشفة ، وجملة
لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً
خبر المبتدأ . وذكر الدعاء دون العبادة لأن الدعاء يشمل الأقوال كلها من إجراء وصف الإلهية على غير اللّه ومن نداء غير اللّه عند السؤال . وجملة
لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
استئناف بياني لما أفاده توكيد النفي ب ( لن ) . وإن وجود حرف الجواب في خلال الجملة ينادي على كونها متفرعة على التي قبلها . واللام للقسم . والشطط : الإفراط في مخالفة الحق والصواب . وهو مشتق من الشط ، وهو البعد عن الموطن لما في البعد عنه من كراهية النفوس ، فاستعير للإفراط في شيء مكروه ، أي لقد قلنا قولا شططا ، وهو نسبة الإلهية إلى من دون اللّه .