تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
وزيادة الهدى يجوز أن يكون تقوية هدى الإيمان المعلوم من قوله :
آمَنُوا بِرَبِّهِمْ
بفتح بصائرهم للتفكير في وسائل النجاة بإيمانهم وألهمهم التوفيق والثبات ، فكل ذلك هدى زائد على هدى الإيمان . ويجوز أن تكون تقوية فضل الإيمان بفضل التقوى كما في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
[ محمد : 17 ] . والزيادة : وفرة مقدار شيء مخصوص ، مثل وفرة عدد المعدود ، ووزن الموزون ، ووفرة سكان المدينة . وفعل ( زاد ) يكون قاصرا مثل قوله تعالى :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
[ الصافات : 147 ] ، ويكون متعديا كقوله :
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[ البقرة : 10 ] . وتستعار الزيادة لقوة الوصف كما هنا . والربط على القلب مستعار إلى تثبيت الإيمان وعدم التردد فيه ، فلما شاع إطلاق القلب على الاعتقاد استعير الربط عليه للتثبيت على عقده . كما قال تعالى :
لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ القصص : 10 ] . ومنه قولهم : هو رابط الجأش . وفي ضده يقال : اضطرب قلبه ، وقال تعالى :
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ
[ الأحزاب : 10 ] . استعير الاضطراب ونحوه للتردد والشك في حصول شيء . وتعدية فعل
رَبَطْنا
بحرف الاستعلاء للمبالغة في الشد لأن حرف الاستعلاء مستعار لمعنى التمكن من الفعل . و
إِذْ قامُوا
ظرف للربط ، أي كان الربط في وقت في قيامهم ، أي كان ذلك الخاطر الذي قاموا به مقارنا لربط اللّه على قلوبهم ، أي لولا ذلك لما أقدموا على مثل ذلك العمل وذلك القول . والقيام يحتمل أن يكون حقيقيا ، بأن وقفوا بين يدي ملك الروم المشرك ، أو وقفوا في مجامع قومهم خطباء معلنين فساد عقيدة الشرك . ويحتمل أن يكون القيام مستعارا للإقدام والجسر على عمل عظيم ، وللاهتمام بالعمل أو القول ، تشبيها للاهتمام بقيام الشخص من قعود للإقبال على عمل ما ، كقول النابغة :
بأن حصنا وحيا من بني أسد * قاموا فقالوا حمانا غير مقروب
فليس في ذلك قيام بعد قعود بل قد يكونون قالوه وهم قعود .