تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
الكهف أنفسهم على أنه المشار إليه بقوله تعالى :
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ
[ الكهف : 19 ] . وفي هذا بعد من لفظ حزب إذ كان القائل واحدا والآخرون شاكين ، وبعيد أيضا من فعل
أَحْصى
لأن أهل الكهف ما قصدوا الإحصاء لمدة لبثهم عند إفاقتهم بل خالوها زمنا قليلا . فالوجه : أن المراد بالحزبين حزبان من الناس أهل بلدهم اختلفت أقوالهم في مدة لبثهم بعد أن علموا انبعاثهم من نومتهم ، أحد الفريقين مصيب والآخر مخطئ ، واللّه يعلم المصيب منهم والمخطئ ، فهما فريقان في جانبي صواب وخطأ كما دل عليه قوله :
أَحْصى
. ولا ينبغي تفسير الحزبين بأنهما حزبان من أهل الكهف الذين قال اللّه فيهم :
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
الآية [ الكهف : 19 ] . وجعل حصول علم اللّه بحال الحزبين علة لبعثه إياهم كناية عن حصول الاختلاف في تقدير مدتهم فإنهم إذا اختلفوا علم اللّه اختلافهم علم الواقعات ، وهو تعلق للعلم يصح أن يطلق عليه تنجيزي وإن لم يقع ذلك عند علماء الكلام . وقد تقدم عند قوله تعالى :
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
في أول السورة الكهف [ 7 ] . و
أَحْصى
يحتمل أن يكون فعلا ماضيا ، أن يكون اسم تفضيل مصوغا من الرباعي على خلاف القياس . واختار الزمخشري في « الكشاف » تبعا لأبي علي الفارسي الأول تجنبا لصوغ اسم التفضيل على غير قياس لقلته . واختار الزجاج الثاني . ومع كون صوغ اسم التفضيل من غير الثلاثي ليس قياسا فهو كثير في الكلام الفصيح وفي القرآن . فالوجه ، أن
أَحْصى
اسم تفضيل ، والتفضيل منصرف إلى ما في معنى الإحصاء من الضبط والإصابة . والمعنى : لنعلم أي الحزبين أتقن إحصاء ، أي عدا بأن يكون هو الموافق للواقع ونفس الأمر ويكون ما عداه تقريبا ورجما بالغيب . وذلك هو ما فصله قوله تعالى :
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ
[ الكهف : 22 ] الآية . ف ( أي ) اسم استفهام مبتدأ وهو معلق لفعل
لِنَعْلَمَ
عن العمل ،
وَأَحْصى
خبر عن ( أي ) و
أَمَداً
تمييز لاسم التفصيل تمييز نسبة ، أي نسبة التفضيل إلى موصوفه كما في قوله :
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا
[ الكهف : 34 ] . ولا يريبك أنه لا يتضح أن يكون هذا التمييز محولا عن الفاعل لأنه لا يستقيم أن تقول : أفضل أمده ، إذ التحويل أمر تقديري