تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وتنكير
قَوْماً
يؤذن بأنهم أمّة غير معروفة ولا مألوفة حالة عقائدهم وسيرتهم . فجملة
قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ
استئناف بياني لما أشعر به تنكير
قَوْماً
من إثارة سؤال عن حالهم وعما لاقاه بهم ذو القرنين . وقد دل قوله :
إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
على أنهم مستحقون للعذاب ، فدلّ على أن أحوالهم كانت في فساد من كفر وفساد عمل . وإسناد القول إلى ضمير الجلالة يحتمل أنه قول إلهام ، أي ألقينا في نفسه ترددا بين أن يبادر استيصالهم وأن يمهلهم ويدعوهم إلى الإيمان وحسن العمل ، ويكون قوله
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ
، أي قال في نفسه معتمدا على حالة وسط بين صورتي التردد . وقيل : إن ذا القرنين كان نبيئا يوحى عليه فيكون القول كلاما موحى به إليه يخيّره فيه بين الأمرين ، مثل التخيير الذي في قوله تعالى :
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
[ محمد : 4 ] ، ويكون قوله :
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ
جوابا منه إلى ربّه . وقد أراد اللّه إظهار سداد اجتهاده كقوله :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
[ الأنبياء : 79 ] . و
حُسْناً
مصدر . وعدل عن ( أن تحسن إليهم ) إلى
أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
مبالغة في الإحسان إليهم حتى جعل كأنه اتّخذ فيهم نفس الحسن ، مثل قوله تعالى :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
[ البقرة : 83 ] . وفي هذه المبالغة تلقين لاختيار أحد الأمرين المخير بينهما . والظلم : الشرك ، بقرينة قسيمه في قوله
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
. واجتلاب حرف الاستقبال في قوله :
فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ
يشير إلى أنه سيدعوه إلى الإيمان فإن أصرّ على الكفر يعذبه . وقد صرح بهذا المفهوم في قوله
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
أي آمن بعد كفره . ولا يجوز أن يكون المراد من هو مؤمن الآن ، لأن التخيير بين تعذيبهم واتخاذ الإمهال معهم يمنع أن يكون فيهم مؤمنون حين التخيير . والمعنى : فسوف نعذبه عذاب الدنيا ولذلك أسنده إلى ضميره ثم قال :
ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً
وذلك عذاب الآخرة . وقرأ الجمهور
جَزاءً الْحُسْنى
بإضافة
جَزاءً
إلى
الْحُسْنى
على الإضافة البيانية . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، ويعقوب ، وخلف
جَزاءً الْحُسْنى
بنصب
جَزاءً
منونا على أنه تمييز لنسبة استحقاقه الحسنى ، أو مصدر مؤكد لمضمون
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 128 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور