تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
عطف على
اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
[ سورة النحل : 12 ] ، أي وسخّر لكم ما ذرأ لكم في الأرض . وهو دليل على دقيق الصّنع والحكمة لقوله تعالى : مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
. وأومئ إلى ما فيه من منّة بقوله
لَكُمْ
. والذرء : الخلق بالتناسل والتولّد بالحمل والتفريخ ، فليس الإنبات ذرءا ، وهو شامل للأنعام والكراع ( وقد مضت المنّة به ) ولغيرها مثل كلاب الصيد والحراسة ، وجوارح الصيد ، والطيور ، والوحوش المأكولة ، ومن الشجر والنبات . وزيد هنا وصف اختلاف ألوانه وهو زيادة للتعجيب ولا دخل له في الامتنان ، فهو كقوله تعالى : تسقى
بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
في سورة الرعد [ 4 ] ، وقوله تعالى :
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
في سورة فاطر [ 27 ] . وبذلك صار هذا آية مستقلة فلذلك ذيّله بجملة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
، ولكون محل الاستدلال هو اختلاف الألوان مع اتّحاد أصل الذرء أفردت الآية في قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
. والألوان : جمع لون . وهو كيفية لسطوح الأجسام مدركة بالبصر تنشأ من امتزاج بعض العناصر بالسطح بأصل الخلقة أو بصبغها بعنصر ذي لون معروف . وتنشأ من اختلاط عنصرين فأكثر ألوان غير متناهية . وقد تقدم عند قوله تعالى :
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها
في سورة البقرة [ 69 ] . ونيط الاستدلال باختلاف الألوان بوصف التذكّر لأنه استدلال يحصل بمجرّد تذكّر الألوان المختلفة إذ هي مشهورة . وإقحام لفظ ( قوم ) وكون الجملة تذييلا تقدم آنفا . وأبدى الفخر في « درة التنزيل » وجها لاختلاف الأوصاف في قوله تعالى :
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ سورة النحل : 11 ] وقوله :
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[ سورة النحل : 12 ] وقوله :
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
: بأن ذلك لمراعاة اختلاف شدّة الحاجة إلى قوة التأمل بدلالة المخلوقات الناجمة عن الأرض يحتاج إلى التفكر ، وهو إعمال النظر المؤدي إلى العلم . ودلالة ما ذرأه في الأرض من الحيوان محتاجة إلى مزيد تأمّل في التفكير للاستدلال على اختلاف أحوالها وتناسلها وفوائدها ، فكانت بحاجة إلى التذكّر ، وهو التفكّر مع تذكّر أجناسها