تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
الأرض ، كما أن الأمطار تهاطلت فكوّنت الأنهار ؛ فيكون تشبيه حصول هذين بالإلقاء بيّنا . وإطلاقه على وضع السبل والعلامات تغليب . ومن إطلاق الإلقاء على الإعطاء ونحوه قوله تعالى :
أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا
[ سورة القمر : 25 ] . و
رَواسِيَ
جمع راس . وهو وصف من الرسو - بفتح الراء وسكون السين - . ويقال - بضم الراء والسين مشددة وتشديد الواو - . وهو الثبات والتمكن في المكان ، قال تعالى :
وَقُدُورٍ راسِياتٍ
[ سورة سبأ : 13 ] . ويطلق على الجبل رأس بمنزلة الوصف الغالب . وجمعه على زنة فواعل على خلاف القياس . وهو من النوادر مثل عواذل وفوارس . وتقدم بعض الكلام عليه في أول الرعد . وقوله تعالى :
أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
تعليل لإلقاء الرواسي في الأرض . والميد : الاضطراب . وضمير
تَمِيدَ
عائد إلى
الْأَرْضِ
بقرينة قرنه بقوله تعالى :
بِكُمْ
، لأن الميد إذا عدّي بالباء علم أن المجرور بالباء هو الشيء المستقرّ في الظرف المائد ، والاضطراب يعطّل مصالح الناس ويلحق بهم آلاما . ولما كان المقام مقام امتنان علم أن المعلل به هو انتفاء الميد لا وقوعه . فالكلام جار على حذف تقتضيه القرينة ، ومثله كثير في القرآن وكلام العرب ، قال عمرو بن كلثوم : فعجّلنا القرى أن تشتمونا أراد أن لا تشتمونا . فالعلّة هي انتفاء الشتم لا وقوعه . ونحاة الكوفة يخرجون أمثال ذلك على حذف حرف النّفي بعد
أَنْ
. والتقدير : لأن لا تميد بكم ولئلا تشتمونا ، وهو الظاهر . ونحاة البصرة يخرجون مثله على حذف مضاف بين الفعل المعلل و
أَنْ
. تقديره : كراهيّة أن تميد بكم . وهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية معنى غامض . ولعلّ اللّه جعل نتوء الجبال على سطح الأرض معدّلا لكرويتها بحيث لا تكون بحدّ من الملاسة يخفّف حركتها في الفضاء تخفيفا يوجب شدّة اضطرابها . ونعمة الأنهار عظيمة ، فإن منها شرابهم وسقي حرثهم ، وفيها تجري سفنهم لأسفارهم .