تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
لقصد مخالفة الأسلوب للتعجيب من تسخير السير في البحر باستحضار الحالة العجيبة بواسطة فعل الرؤية . وهو يستعمل في التعجيب كثيرا بصيغ كثيرة نحو : ولو ترى ، وأرأيت ، وما ذا ترى . واجتلاب فعل الرؤية في أمثاله يفيد الحثّ على معرفة ذلك . فهذا النظم للكلام لإفادة هذا المعنى ولولاها لكان الكلام هكذا : وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وتبتغوا من فضله في فلك مواخر . وعطف
وَلِتَبْتَغُوا
على
وَتَسْتَخْرِجُوا
ليكون من جملة النّعم التي نشأت عن حكمة تسخير البحر . ولم يجعل علة لمخر الفلك كما جعل في سورة فاطر [ 12 ]
وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
لأن تلك لم تصدر بمنّة تسخير البحر بل جاءت في غرض آخر . وأعيد حرف التعليل في قوله تعالى :
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
لأجل البعد بسبب الجملة المعترضة . والابتغاء من فضل اللّه : التجارة كما عبّر عنها بذلك في قوله تعالى
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
في سورة البقرة [ 198 ] . وعطف
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
على بقية العلل لأنه من الحكم التي سخّر اللّه بها البحر للناس حملا لهم على الاعتراف للّه بالعبودية ونبذهم إشراك غير ربّه فيها . وهو تعريض بالذين أشركوا . [ 15 ، 16 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 15 إلى 16 ]

وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) انتقال إلى الاستدلال والامتنان بما على سطح الأرض من المخلوقات العظيمة التي في وجودها لطف بالإنسان . وهذه المخلوقات لما كانت مجعولة كالتكملة للأرض وموضوعة على ظاهر سطحها عبّر عن خلقها ووضعها بالإلقاء الذي هو رمي شيء على الأرض . ولعلّ خلقها كان متأخرا عن خلق الأرض ، إذ لعلّ الجبال انبثقت باضطرابات أرضيّة كالزلزال العظيم ثم حدثت الأنهار بتهاطل الأمطار . وأما السبل والعلامات فتأخّر وجودها ظاهر ، فصار خلق هذه الأربعة شبيها بإلقاء شيء في شيء بعد تمامه . ولعل أصل تكوين الجبال كان من شظايا رمت بها الكواكب فصادفت سطح