تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
الأولى وكسر الطاء الثّانية ) والعاصي بن وائل ، هلكوا بمكّة متتابعين ، وكان هلاكهم العجيب المحكي في كتب السيرة صارفا أتباعهم عن الاستهزاء لانفراط عقدهم . وقد يكون من أسباب كفايتهم زيادة الداخلين في الإسلام بحيث صار بأس المسلمين مخشيّا ؛ وقد أسلم حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه فاعتزّ به المسلمون ، ولم يبق من أذى المشركين إياهم إلّا الاستهزاء ، ثم أسلم عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - فخشيه سفهاء المشركين ، وكان إسلامه في حدود سنة خمس من البعثة . ووصفهم ب
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
للتشويه بحالهم ، ولتسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأنهم ما اقتصروا على الافتراء عليه فقد افتروا على اللّه . وصيغة المضارع في قوله تعالى :
يَجْعَلُونَ
للإشارة إلى أنهم مستمرون على ذلك مجدّدون له . وفرع على الأمرين الوعيد بقوله تعالى :
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
. وحذف مفعول
يَعْلَمُونَ
لدلالة المقام عليه ، أي فسوف يعلمون جزاء بهتانهم . [ 97 - 99 ]

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 97 إلى 99 ]

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) لما كان الوعيد مؤذنا بإمهالهم قليلا كما قال تعالى :
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
[ سورة المزمل : 11 ] كما دلّ عليه حرف التنفيس في قوله تعالى :
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
[ سورة الحجر : 96 ] طمأن اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه مطّلع على تحرّجه من أذاهم وبهتانهم من أقوال الشرك وأقوال الاستهزاء فأمره بالثبات والتفويض إلى ربّه لأن الحكمة في إمهالهم ، ولذلك افتتحت الجملة بلام القسم وحرف التحقيق . وليس المخاطب ممن يداخله الشكّ في خبر اللّه تعالى ولكن التحقيق كناية عن الاهتمام بالمخبر وأنه بمحل العناية من اللّه ؛ فالجملة معطوفة على جملة
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
[ سورة الحجر : 95 ] أو حال . وضيق الصدر : مجاز عن كدر النفس . وقد تقدّم في قوله تعالى :
وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ
في سورة هود [ 12 ] . وفرع على جملة
وَلَقَدْ نَعْلَمُ
أمره بتسبيح اللّه تعالى وتنزيهه عمّا يقولونه من نسبة