تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
عن مستحقّه ولو غاب وتأخّر ، وإن كان نظام حوادث الدنيا قد يعطّل ظهور الحقّ في نصابه وتخلّفه عن أربابه . فعلم أنّ وراء هذا النّظام نظاما مدّخرا يتّصل فيه الحقّ بكل مستحقّ إن خيرا وإن شرا ، فلا يحسبنّ من فات من الذين ظلموا قبل حلول العذاب بهم مفلتا من الجزاء فإن اللّه قد أعدّ عالما آخر يعطي فيه الأمور مستحقّيها . فلذلك أعقب اللّه و
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
بآية
وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ
، أي أن ساعة إنفاذ الحقّ آتية لا محالة فلا يريبك ما تراه من سلامة مكذّبيك وإمهالهم كما قال تعالى :
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ
[ سورة يونس : 41 ] . والمقصود من هذا تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ما لقيه من أذى المشركين وتكذيبهم واستمرارهم على ذلك إلى أمد معلوم . وقد كانت هذه الجملة في مقتضى الظاهر حريّة بالفصل وعدم العطف لأن حقّها الاستئناف ولكنها عطفت لإبرازها في صورة الكلام المستقلّ اهتماما بمضمونها ، ولأنها تسلية للرسول - عليه الصلاة والسّلام - على ما يلقاه من قومه ، وليصحّ تفريع أمره بالصّفح عنهم في الدنيا لأن جزاءهم موكول إلى الوقت المقدر . وفي إمهال اللّه تعالى المشركين ثم في إنجائهم من عذاب الاستئصال حكمة تحقّق بها مراد اللّه من بقاء هذا الدّين وانتشاره في العالم بتبليغ العرب إيّاه وحمله إلى الأمم . والمرد بالساعة ساعة البعث وذلك الذي افتتحت به السورة . وذلك انتقال من تهديدهم ووعيدهم بعذاب الدنيا إلى تهديدهم بعذاب الآخرة . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى :
ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ
في سورة الأحقاف [ 3 ] . وتفريع
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
على قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
باعتبار المعنى الكنائي له ، وهو أن الجزاء على أعمالهم موكول إلى اللّه تعالى فلذلك أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالإعراض عن أذاهم وسوء تلقّيهم للدّعوة . و
الصَّفْحَ
: العفو . وقد تقدم في قوله تعالى :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ
في سورة العقود [ 13 ] . وهو مستعمل هنا في لازمه وهو عدم الحزن والغضب من صنيع أعداء الدّين وحذف متعلق الصّفح لظهوره ، أي عمن كذّبك وآذاك .