تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
وسكان الغيضة الأصليون الذين نزل مدين بجوارهم ، فإن إبراهيم - عليه السّلام - أسكن ابنه مدين في شرق بلاد الخليل ، ولا يكون إلا في أرض مأهولة . وهذا عندي هو مقتضى ذكر قوم شعيب - عليه السّلام - باسم مدين مرّات وباسم أصحاب الأيكة مرّات . وسيأتي لذلك زيادة إيضاح في سورة الشّعراء . [ 80 - 84 ]

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 80 إلى 84 ]

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ( 80 ) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 81 ) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ( 82 ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ( 83 ) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 84 ) جمعت قصص هؤلاء الأمم الثّلاث : قوم لوط ، وأصحاب الأيكة ، وأصحاب الحجر في نسق ، لتماثل حال العذاب الّذي سلط عليها وهو عذاب الصّيحة والرّجفة والصّاعقة . وأصحاب الحجر هم ثمود كانوا ينزلون الحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - . والحجر : المكان المحجور ، أي الممنوع من النّاس بسبب اختصاص به ، أو اشتقّ من الحجارة لأنهم كانوا ينحتون بيوتهم في صخر الجبل نحتا محكما . وقد جعلت طبقات وفي وسطها بئر عظيمة وبئار كثيرة . والحجر هو المعروف بوادي القرى وهو بين المدينة والشّام ، وهو المعروف اليوم باسم مدائن صالح على الطريق من خيبر إلى تبوك . وأما حجر اليمامة مدينة بني حنيفة فهي - بفتح الحاء - وهي في بلاد نجد وتسمى العروض وهي اليوم من بلاد البحرين . وقد توهّم بعض المستشرقين من الإفرنج أن البيوت المنحوتة في ذلك الجبل كانت قبورا ، وتعلقوا بحجج وهمية . ومما يفنّد أقوالهم خلوّ تلك الكهوف عن أجساد آدمية . وإذا كانت تلك قبورا فأين كانت منازل الأحياء ؟ . والظاهر أن ثمود لما أخذتهم الصّيحة كانوا منتشرين في خارج البيوت لقوله تعالى :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ
. وقد وجدت في مداخل تلك البيوت نقر صغيرة تدلّ على أنّها مجعولة لوصد أبواب المداخل في اللّيل . وتعريف
الْمُرْسَلِينَ
للجنس ، فيصدق بالواحد ، إذ المراد أنّهم كذبوا صالحا -