تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
ووجه الفساد أنها تقتضي اطمئنان المتحالفين فإذا نقضها أحد الجانبين فقد تسبّب في الخصام والحقد . وهذا تحذير لهم وتخويف من سوء عاقبة نقض اليمين ، وليس بمقتض أن نقضا حدث فيهم . و
أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ
معمول للام جرّ محذوفة كما هو غالب حالها مع
أَنْ
. والمعنى التعليل ، وهو علّة لنقض الأيمان المنهيّ عنه ، أي تنقضون الأيمان بسبب أن تكون أمّة أربى من أمّة ، أي أقوى وأكثر . والأمّة : الطائفة والقبيلة . والمقصود طائفة المشركين وأحلافهم . و
أَرْبى
: أزيد ، وهو اسم تفضيل من الربوّ بوزن العلوّ ، أي الزيادة ، يحتمل الحقيقة أعني كثرة العدد ، والمجاز أعني رفاهية الحال وحسن العيش . وكلمة
أَرْبى
تعطي هذه المعاني كلها فلا تعدلها كلمة أخرى تصلح لجميع هذه المعاني ، فوقعها هنا من مقتضى الإعجاز . والمعنى : لا يبعثكم على نقض الأيمان كون أمّة أحسن من أمّة . ومعلوم أن الأمّة التي هي أحسن هي المنقوض لأجلها وأن الأمّة المفضولة هي المنفصل عنها ، أي لا يحملكم على نقض الحلف أن يكون المشركون أكثر عددا وأموالا من المسلمين فيبعثكم ذلك على الانفصال عن جماعة المسلمين وعلى الرجوع إلى الكفّار . وجملة
إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ
مستأنفة استئنافا بيانيا للتعليل بما يقتضي الحكمة ، وهو أن ذلك يبتلي اللّه به صدق الإيمان كقوله تعالى :
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ
[ سورة الأنعام : 165 ] . والقصر المستفاد من قوله تعالى :
إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ
قصر موصوف على صفة . والتقدير : ما ذلك الربوّ إلا بلوى لكم . والبلو : الاختبار . ومعنى إسناده إلى اللّه الكناية عن إظهار حال المسلمين . وله نظائر في القرآن . وضمير
بِهِ
يعود إلى المصدر المنسبك من قوله :
أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ
. ثم عطف عليه تأكيد أنه سيبيّن لهم يوم القيامة ما يختلفون فيه من الأحوال فتظهر الحقائق كما هي غير مغشّاة بزخارف الشّهوات ولا بمكاره مخالفة الطباع ، لأن الآخرة دار الحقائق لا لبس فيها ، فيومئذ تعلمون أنّ الإسلام هو الخير المحض وأن الكفر شرّ محض .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 214 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور