وأكّد هذا الوعد بمؤكّدين : القسم الذي دلّت عليه اللام ونون التوكيد . ثم يظهر ذلك أيضا في ترتّب آثاره إذ يكون النعيم إثر الإيمان ويكون العذاب إثر الشرك ، وكل ذلك بيان لما كانوا مختلفين فيه في الدنيا .
[ 93 ]
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 93 ]
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 93 )
لما أحال البيان إلى يوم القيامة زادهم إعلاما بحكمة هذا التأخير فأعلمهم أنه قادر على أن يبيّن لهم الحقّ من هذه الدار فيجعلهم أمّة واحدة . ولكنه أضلّ من شاء ، أي خلق فيه داعية الضلال ، وهدى من شاء ، أي خلق فيه داعية الهدى . وأحال الأمر هنا على المشيئة إجمالا ، لتعذّر نشر مطاوي الحكمة من ذلك .
ومرجعها إلى مشيئة اللّه تعالى أن يخلق الناس على هذا الاختلاف الناشئ عن اختلاف أحوال التفكير ومراتب المدارك والعقول ، وذلك يتولّد من تطوّرات عظيمة تعرض للإنسان في تناسله وحضارته وغير ذلك مما أجمله قوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
[ سورة الانشقاق : 25 ] . وهذه المشيئة لا يطّلع على كنهها إلا اللّه تعالى وتظهر آثارها في فرقة المهتدين وفرقة الضالين .
ولما كان قوله :
وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
قد يغترّ به قصّار الأنظار فيحسبون أن الضالين والمهتدين سواء عند اللّه وأن الضالين معذورون في ضلالهم إذ كان من أثر مشيئة اللّه فعقّب ذلك بقوله :
وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
مؤكّدا بتأكيدين كما تقدم نظيره آنفا ، أي عما تعملون من عمل ضلال أو عمل هدى .
والسؤال : كنية عن المحاسبة ، لأنه سؤال حكيم تترتّب عليه الإنارة وليس سؤال استطلاع .
[ 94 ]
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 94 ]
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 )
لما حذّرهم من النّقض الذي يؤول إلى اتخاذ أيمانهم دخلا فيهم ، وأشار بالإجمال إلى ما في ذلك من الفساد فيهم ، أعاد الكرّة إلى بيان عاقبة ذلك الصنيع إعادة تفيد