تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
مفعول
تَعْلَمُونَ
لظهوره من قوله تعالى :
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ
أي تعلمون جزاء كفركم . [ 56 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 56 ]

وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ( 56 ) عطف حالة من أحوال كفرهم لها مساس بما أنعم اللّه عليهم من النّعمة ، فهي معطوفة على جملة
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ سورة النحل : 53 ] . ويجوز أن تكون حالا من الضمير المجرور في قوله تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ
على طريق الالتفات . ويجوز أن تكون معطوفة على
يُشْرِكُونَ
من قوله تعالى :
إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
[ سورة النحل : 54 ] . وما حكي هنا هو من تفاريع دينهم الناشئة عن إشراكهم والتي هي من تفاريع كفران نعمة ربّهم ، إذ جعلوا في أموالهم حقا للأصنام التي لم ترزقهم شيئا . وقد مرّ ذلك في سورة الأنعام عند قوله تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا
[ سورة النحل : 136 ] . إلا أنه اقتصر هنا على ذكر ما جعلوه لشركائهم دون ما جعلوه للّه لأن المقام هنا لتفصيل كفرانهم النّعمة ، بخلاف ما في سورة الأنعام فهو مقام تعداد أحوال جاهليتهم وإن كان كل ذلك منكرا عليهم ، إلا أن بعض الكفر أشدّ من بعض . والجعل : التصيير والوضع . تقول : جعلت لك في مالي كذا . وجيء هنا بصيغة المضارع للدّلالة على تجدّد ذلك منهم واستمراره ، بخلاف قوله تعالى :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ
[ سورة النحل : 38 ] بأنه حكاية قضية مضت من عنادهم وجدالهم في أمر البعث . ومفعول
يَعْلَمُونَ
محذوف لظهوره ، وهو ضمير ( ما ) ، أي لا يعلمونه . ومثل حذف هذا الضمير كثير في الكلام . وما صدق صلة
لِما لا يَعْلَمُونَ
هو الأصنام ، وإنما عبّر عنها بهذه الصّلة زيادة في تفظيع سخافة آرائهم ، إذ يفرضون في أموالهم عطاء يعطونه لأشياء لا يعلمون حقائقها بله مبلغ ما ينالهم منها ، وتخيّلات يتخيّلونها ليست من الوجود ولا من الإدراك ولا من الصلاحية للانتفاع في شيء ، كما قال تعالى :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ