تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
احتياج العلم الحسّي إلى استعمال نظر واستدلال ، ولعدم اشتمال العلم العقلي على تفاصيل الكيفيات التي تحبّها النفوس وترتمي إليها الشهوات ، كما أشار إليه قوله تعالى :
قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ سورة البقرة : 260 ] . فليس المراد بقوله تعالى :
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
لو كانوا يعتقدون ويؤمنون ، لأن ذلك حاصل لا يناسب موقع
لَوْ
الامتناعية . فضمير
يَعْلَمُونَ
على هذا « للذين هاجروا » . وفي هذا الوجه تتناسق الضمائر . و
الَّذِينَ صَبَرُوا
صفة « للذين هاجروا » . والصبر : تحمّل المشاقّ . والتّوكّل : الاعتماد . وتقدم الصبر عند قوله تعالى :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
أوائل سورة البقرة [ 45 ] . والتوكل عند قوله تعالى :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
في سورة آل عمران [ 159 ] . والتعبير في جانب الصبر بالمضي وفي جانب التوكّل بالمضارع إيماء إلى أن صبرهم قد آذن بالانقضاء لانقضاء أسبابه ، وأن اللّه قد جعل لهم فرجا بالهجرة الواقعة والهجرة المترقّبة . فهذا بشارة لهم . وأنّ التوكّل ديدنهم لأنهم يستقبلون أعمالا جليلة تتمّ لهم بالتوكّل على اللّه في أمورهم فهم يكرّرونه . وفي هذا بشارة بضمان النجاح . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ سورة الزمر : 10 ] . وتقديم المجرور في قوله تعالى :
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
للقصر ، أي لا يتوكّلون إلّا على ربّهم دون التوكّل على سادة المشركين وولائهم . [ 43 ، 44 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 43 إلى 44 ]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 )
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 43 بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ
.