تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
كانت الآيات السابقة جارية على حكاية تكذيب المشركين نبوءة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإنكارهم أنه مرسل من عند اللّه وأن القرآن وحي اللّه إليه ، ابتداء من قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ سورة النحل : 24 ] ، وردّ مزاعمهم الباطلة بالأدلّة القارعة لهم متخلّلا بما أدمج في أثنائه من معان أخرى تتعلّق بذلك ، فعاد هنا إلى إبطال شبهتهم في إنكار نبوءته من أنه بشر لا يليق بأن يكون سفيرا بين اللّه والناس ، إبطالا بقياس التّمثيل بالرّسل الأسبقين الذين لا تنكر قريش رسالتهم مثل نوح وإبراهيم - عليهما السلام - . وهذا ينظر إلى قوله في أول السورة
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ سورة النحل : 1 ] . وقد غيّر أسلوب نظم الكلام هنا بتوجيه الخطاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن كان جاريا على أسلوب الغيبة ابتداء من قوله تعالى :
فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ
[ سورة النحل : 22 ] ، وقوله تعالى
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
[ سورة النحل : 35 ] الآية ، تأنيسا للنبي - عليه الصلاة والسلام - لأن فيما مضى من الكلام آنفا حكاية تكذيبهم إيّاه تصريحا وتعريضا ، فأقبل اللّه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالخطاب لما في هذا الكلام من تنويه منزلته بأنه في منزلة الرسل الأولين - عليهم الصلاة والسلام - . وفي هذا الخطاب تعريض بالمشركين ، ولذلك التفت إلى خطابهم بقوله تعالى :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
. وصيغة القصر لقلب اعتقاد المشركين وقولهم :
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
[ سورة الإسراء : 94 ] ، فقصر الإرسال على التعلّق برجال موصوفين بأنهم يوحى إليهم . ثم أشهد على المشركين بشواهد الأمم الماضية وأقبل عليهم بالخطاب توبيخا لهم لأن التوبيخ يناسبه الخطاب لكونه أوقع في نفس الموبّخ ، فاحتجّ عليهم بقوله :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
إلخ . فهذا احتجاج بأهل الأديان السابقين أهل الكتب اليهود والنصارى والصابئة . و
الذِّكْرِ
: كتاب الشريعة . وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
في أول سورة الحجر [ 6 ] . وفي قوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
إيماء إلى أنهم يعلمون ذلك ولكنهم قصدوا المكابرة والتمويه لتضليل الدهماء ، فلذلك جيء في الشرط بحرف
إِنْ
التي ترد في
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 129 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور