تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
عين معنى المفعول المطلق . و
عَلَيْهِ
صفة ل
وَعْداً
، أي وعدا كالواجب عليه في أنه لا يقبل الخلف . ففي الكلام استعارة مكنية . شبه الوعد الذي وعده اللّه بمحض إرادته واختياره بالحقّ الواجب عليه ورمز إليه بحرف الاستعلاء . و
حَقًّا
صفة ثانية ل
وَعْداً
. والحقّ هنا بمعنى الصدق الذي لا يتخلّف . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى :
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
في سورة براءة [ 111 ] . والمراد بأكثر الناس المشركون ، وهم يومئذ أكثر الناس . ومعنى
لا يَعْلَمُونَ
أنهم لا يعلمون كيفيّة ذلك فيقيمون من الاستبعاد دليل استحالة حصول البعث بعد الفناء . والاستدراك ناشئ عن جعله وعدا على اللّه حقّا ، إذ يتوهّم السامع أن مثل ذلك لا يجهله أحد فجاء الاستدراك لرفع هذا التوهّم ، ولأن جملة
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
تقتضي إمكان وقوعه والناس يستبعدون ذلك . [ 39 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 39 ]

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 )
لِيُبَيِّنَ
تعليل لقوله تعالى :
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
[ سورة النحل : 38 ] لقصد بيان حكمة جعله وعدا لازما لا يتخلّف ، لأنه منوط بحكمة ، واللّه تعالى حكيم لا تجري أفعاله على خلاف الحكمة التامّة ، أي جعل البعث ليبيّن للناس الشيء الذي يختلفون فيه من الحقّ والباطل فيظهر حقّ المحقّ ويظهر باطل المبطل في العقائد ونحوها من أصول الدّين وما ألحق بها . وشمل قوله :
يَخْتَلِفُونَ
كل معاني المحاسبة على الحقوق لأن تمييز الحقوق من المظالم كلّه محل اختلاف الناس وتنازعهم . وعطف على هذه الحكمة العامّة حكمة فرعيّة خاصّة بالمردود عليهم هنا ، وهي حصول العلم للّذين كفروا بأنهم كانوا كاذبين فيما اخترعوه من الشرك وتحريم الأشياء وإنكار البعث . وفي حصول علمهم بذلك يوم البعث مثار للندامة والتحسّر على ما فرط منهم من
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 124 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور