تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
والحرص : فرط الإرادة الملحّة في تحصيل المراد بالسّعي في أسبابه . والشرط هنا ليس لتعليق حصول مضمون الجواب على حصول مضمون الشرط ، لأن مضمون الشرط معلوم الحصول ، لأن علاماته ظاهرة بحيث يعلمه النّاس ، كما قال تعالى :
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
[ سورة التوبة : 128 ] ؛ وإنّما هو لتعليق العلم بمضمون الجواب على دوام حصول مضمون الشرط . فالمعنى : إن كنت حريصا على هداهم حرصا مستمرا فاعلم أن من أضلّه اللّه لا تستطيع هديه ولا تجد لهداه وسيلة ولا يهديه أحد . فالمضارع مستعمل في معنى التجدد لا غير ، كقول عنترة :
إن تغد في دوني القناع فإنّني * طبّ بأخذ الفارس المستلئم
وأظهر منه في هذا المعنى قوله أيضا :
إن كنت أزمعت الفراق فإنما * زمّت ركابكم بليل مظلم
فإنّ فعل الشرط في البيتين في معنى : إن كان ذلك تصميما ، وجواب الشرط فيهما في معنى إفادة العلم . وجعل المسند إليه في جملة الإخبار عن استمرار ضلالهم اسم الجلالة للتهويل المشوق إلى استطلاع الخبر . والخبر هو أن هداهم لا يحصل إلّا إذا أراده اللّه ولا يستطيع أحد تحصيله لا أنت ولا غيرك ، فمن قدّر اللّه دوام ضلاله فلا هادي له . ولولا هذه النكتة لكان مقتضى الظاهر أن يكون المسند إليه ضمير المتحدّث عنهم بأن يقال : فإنهم لا يهديهم غير اللّه . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب
لا يَهْدِي
- بضم الياء وفتح الدّال - مبنيا للنائب ، وحذف الفاعل للتعميم ، أي لا يهديه هاد . و
مَنْ
نائب فاعل ، وضمير
يُضِلُّ
عائد إلى اللّه ، أي فإن اللّه لا يهدى المضلّل - بفتح اللّام - منه . فالمسند سببي وحذف الضمير السببي المنصوب لظهوره وهو في معنى قوله :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
[ سورة الرعد : 33 ] وقوله تعالى :
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ
[ سورة الأعراف : 186 ] . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف
لا يَهْدِي
- بفتح الياء - بالبناء للفاعل ، وضمير اسم الجلالة هو الفاعل ، و
مَنْ
مفعول
يَهْدِي
، والضمير في
يُضِلُّ
للّه ، والضمير السببي أيضا محذوف ، والمعنى : أنّ اللّه لا يهدي من قدّر دوام ضلاله ، كقوله