تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
ونظيره قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
[ سورة الأنفال : 50 ] . وجملة
فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
تذييل . يحتمل أن يكون حكاية كلام الملائكة ، والأظهر أنّه من كلام اللّه الحكاية لا من المحكيّ ، ووصفهم بالمتكبّرين يرجّح ذلك ، فإنّه لربط هذه الصفة بالموصوف في قوله تعالى
قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
[ سورة النحل : 22 ] . واللّام الدّاخلة على « بئس » لام القسم . والمثوى . المرجع . من ثوى إذا رجع ، أو المقام من ثوى إذا أقام . وتقدّم في قوله تعالى :
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ
في سورة الأنعام [ 128 ] . ولم يعبّر عن جهنّم بالدار كما عبّر عن الجنّة فيما يأتي بقوله تعالى :
وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
[ سورة النحل : 30 ] تحقيرا لهم وأنّهم ليسوا في جهنّم بمنزلة أهل الدّار بل هم متراصّون في النار وهم في مثوى ، أي محل ثواء . [ 30 ، 31 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 30 إلى 31 ]

وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ( 31 )
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً
. لمّا افتتحت صفة سيّئات الكافرين وعواقبها بأنّهم إذا قيل لهم
ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
[ سورة النحل : 24 ] قالوا :
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ سورة النحل : 24 ] ، جاءت هنا مقابلة حالهم بحال حسنات المؤمنين وحسن عواقبها ، فافتتح ذلك بمقابل ما افتتحت به قصّة الكافرين ، فجاء التنظير بين القصّتين في أبدع نظم . وهذه الجملة معطوفة على الجمل التي قبلها ، وهي معترضة في خلال أحوال المشركين استطرادا . ولم تقترن هذه الجملة بأداة الشرط كما قرنت مقابلتها بها
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
، لأن قولهم :
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
لما كان كذبا اختلقوه كان مظنة أن يقلع عنه قائله وأن يرعوي إلى الحقّ وأن لا يجمع عليه القائلون ، قرن بأداة الشرط المقتضية تكرّر ذلك للدّلالة على إصرارهم على الكفر ، بخلاف ما هنا فإن الصّدق مظنّة استمرار قائله عليه فليس بحاجة إلى التّنبيه على تكرّره منه . والذين اتّقوا : هم المؤمنون لأن الإيمان تقوى اللّه وخشية غضبه . والمراد بهم