تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
القرينة ظاهرة على أنّ قوله تعالى :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
ليست من مقول الذين أوتوا العلم يوم القيامة ، إذ لا مناسبة لأن يعرّف الكافرون يوم القيامة بأنهم الّذين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ؛ فإن صيغة المضارع في قوله تعالى :
تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
قريبة من الصريح في أن هذا التوفّي محكيّ في حال حصوله وهم يوم القيامة مضت وفاتهم ولا فائدة أخرى في ذكر ذلك يومئذ ، فالوجه أن يكون هذا كلاما مستأنفا . وعن عكرمة : نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكّة ولم يهاجروا فأخرجهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا ببدر . فالوجه أن
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
بدل من
الَّذِينَ
في قوله تعالى :
فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
[ سورة النحل : 22 ] أو صفة لهم ، كما يومئ إليه وصفهم في آخر الآية بالمتكبّرين في قوله تعالى :
فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
، فهم الّذين وصفوا فيما قبل بقوله تعالى :
وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
[ سورة النحل : 22 ] ، وما بينهما اعتراض . وإن أبيت ذلك لبعد ما بين المتبوع والتّابع فاجعل
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
خبرا لمبتدأ محذوف . والتقدير : هم الذين تتوفاهم الملائكة . وحذف المسند إليه جار على الاستعمال في أمثاله من كلّ مسند إليه جرى فيما سلف من الكلام . أخبر عنه وحدث عن شأنه ، وهو ما يعرف عند السكاكي بالحذف المتّبع فيه الاستعمال . ويقابل هذا قوله تعالى فيما يأتي :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ
[ سورة النحل : 32 ] فإنه صفة
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
[ سورة النحل : 30 ] فهذا نظيره . والمقصود من هذه الصلة وصف حالة الذين يموتون على الشّرك ؛ فبعد أن ذكر حال حلول العذاب بمن حلّ بهم الاستئصال وما يحلّ بهم يوم القيامة ذكرت حالة وفاتهم التي هي بين حالي الدّنيا والآخرة ، وهي حال تعرض لجميعهم سواء منهم من أدركه الاستئصال ومن هلك قبل ذلك . وأطبق من تصدّى لربطه بما قبله من المفسّرين ، على جعل
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
الآية بدلا من
الْكافِرِينَ
في قوله تعالى :
إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ
[ سورة النحل : 27 ] ، أو صفة له . وسكت عنه صاحب « الكشاف » ( وهو سكوت من ذهب ) . وقال الخفاجي : « وهو يصحّ فيه أن يكون مقولا للقول وغير مندرج تحته » . وقال ابن عطيّة : « ويحتمل أن يكون
الَّذِينَ
مرتفعا بالابتداء منقطعا مما قبله وخبره في قوله :
فَأَلْقَوُا السَّلَمَ
[ سورة النحل : 28 ] اه .