تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
مقابله يقال فيه . وقرأ الجمهور
تَتَوَفَّاهُمُ
بفوقيّتين ، مثل نظيره . وقرأه حمزة وخلف بتحتية أولى كذلك . والطّيب : بزنة فيعل ، مثل قيم وميّت ، وهو مبالغة في الاتّصاف بالطيب وهو حسن الرائحة . ويطلق على محاسن الأخلاق وكمال النّفس على وجه المجاز المشهور فتوصف به المحسوسات كقوله تعالى :
حَلالًا طَيِّباً
[ سورة البقرة : 168 ] والمعاني والنفسيات كقوله تعالى :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ
[ سورة الزمر : 73 ] . وقولهم : طبت نفسا . ومنه قوله تعالى :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
[ سورة الأعراف : 58 ] . وفي الحديث « إنّ اللّه طيّب لا يقبل إلّا طيّبا » أي مالا طيبا حلالا . فقوله تعالى هنا
طَيِّبِينَ
يجمع كل هذه المعاني ، أي تتوفّاهم الملائكة منزّهين من الشرك مطمئنّي النفوس . وهذا مقابل قوله في أضدادهم
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
[ سورة النحل : 28 ] . وجملة
يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
حال من
الْمَلائِكَةُ
وهي حال مقارنة ل
تَتَوَفَّاهُمُ
، أي يتوفّونهم مسلّمين عليهم ، وهو سلام تأنيس وإكرام حين مجيئهم ليتوفّوهم ، لأن فعل
تَتَوَفَّاهُمُ
يبتدئ من وقت حلول الملائكة إلى أن تنتزع الأرواح وهي حصّة قصيرة . وقولهم :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
هو مقابل قولهم لأضدادهم
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ
[ سورة النحل : 28 ، 29 ] . والقول في الأمر بالدخول للجنّة حين التوفّي كالقول في ضدّه المتقدم آنفا . وهو هنا نعيم المكاشفة . [ 33 ، 34 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 33 إلى 34 ]

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 33 ) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 34 ) استئناف بياني ناشئ عن جملة
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[ سورة الرعد : 42 ] لأنّها تثير سؤال من يسأل عن إبّان حلول العذاب على هؤلاء كما حلّ بالّذين من قبلهم ، فقيل : ما ينظرون إلا أحد أمرين هما مجيء الملائكة لقبض أرواحهم فيحقّ عليهم الوعيد المتقدم ، أو أن يأتي أمر اللّه . والمراد به الاستئصال المعرّض بالتهديد في قوله :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
[ سورة النحل : 26 ] .