تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
النّفس تتلقّاه بصبر . [ 27 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 27 ]

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ ( 27 )
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ
. عطف على
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ سورة النحل : 25 ] ، لأن ذلك وعيد لهم وهذا تكملة له . وضمير الجمع في قوله تعالى :
يُخْزِيهِمْ
عائد إلى ما عاد إليه الضمير المجرور باللام في قوله تعالى
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
[ سورة النحل : 24 ] . وذلك عائد إلى
فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
[ سورة النحل : 22 ] . و
ثُمَّ
للتّرتيب الرّتبي ، فإنّ خزي الآخرة أعظم من استئصال نعيم الدّنيا . والخزي : الإهانة . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
في سورة البقرة [ 85 ] . وتقديم الظرف للاهتمام بيوم القيامة لأنّه يوم الأحوال الأبديّة فما فيه من العذاب مهول للسّامعين . و
أَيْنَ
للاستفهام عن المكان ، وهو يقتضي العلم بوجود من يحلّ في المكان . ولما كان المقام هنا مقام تهكّم كان الاستفهام عن المكان مستعملا في التهكّم ليظهر لهم كالطماعية للبحث عن آلهتهم ، وهم علموا أن لا وجود لهم ولامكان لحلولهم . وإضافة الشركاء إلى ضمير الجلالة زيادة في التوبيخ ، لأنّ مظهر عظمة اللّه تعالى يومئذ للعيان ينافي أن يكون له شريك ، فالمخاطبون عالمون حينئذ بتعذّر المشاركة . والموصول من قوله تعالى :
الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ
للتّنبيه على ضلالهم وخطئهم في ادعاء المشاركة مثل الذي في قول عبدة :
إنّ الّذين ترونهم إخوانكم * يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
والمشاقّة : المشادة في الخصومة ، كأنّها خصومة لا سبيل معها إلى الوفاق ، إذ قد صار كلّ خصم في شقّ غير شقّ الآخر .