تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
والترك : عدم الأخذ للشيء مع إمكانه . أشار به إلى أنه لم يتبع ملة القبط مع حلوله بينهم ، وكون مولاه متدينا بها . وذكر آباءه تعليما بفضلهم ، وإظهارا لسابقية الصلاح فيه ، وأنه متسلسل من آبائه ، وقد عقله من أول نشأته ثم تأيد بما علّمه ربّه فحصل له بذلك الشرف العظامي والشرف العصامي . ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما سئل عن أكرم الناس : « يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيء ابن نبيء ابن نبيء ابن نبيء » . ومثل هذه السلسلة في النبوءة لم يجتمع لأحد غير يوسف - عليه السّلام - إذا كان المراد بالنبوءة أكملها وهو الرسالة ، أو إذا كان إخوة يوسف - عليه السّلام - غير أنبياء على رأي فريق من العلماء . وأراد باتّباع ملّة آبائه اتباعها في أصولها قبل أن يعطى النبوءة إذا كان فيما أوحي إليه زيادة على ما أوحي به إلى آبائه من تعبير الرؤيا والاقتصاد ؛ أو أن نبوءته كانت بوحي مثل ما أوحي به إلى آبائه ، كقوله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
- إلى قوله -
أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
[ سورة الشورى : 13 ] . وذكر السلف الصالح في الحقّ يزيد دليل الحقّ تمكّنا ، وذكر ضدهم في الباطل لقصد عدم الحجة بهم بمجردهم . كما في قوله الآتي :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ
[ سورة يوسف : 40 ] . وجملة
ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
في قوة البيان لما اقتضته جملة
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي
من كون التوحيد صار كالسجية لهم عرف بها أسلافه بين الأمم ، وعرّفهم بها لنفسه في هذه الفرصة . ولا يخفى ما تقتضيه صيغة الجحود من مبالغة انتفاء الوصف على الموصوف ، كما تقدم في قوله تعالى :
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ
في سورة آل عمران [ 79 ] ، وعند قوله تعالى :
قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ
في آخر سورة العقود [ 116 ] . و
مِنْ
في قوله :
مِنْ شَيْءٍ
مزيدة لتأكيد النفي . وأدخلت على المقصود بالنفي . وجملة
ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا
زيادة في الاستئناف والبيان لقصد الترغيب في اتباع دين التوحيد بأنه فضل . وقوله :
وَعَلَى النَّاسِ
أي الذين يتبعونهم ، وهو المقصود من الترغيب بالجملة . وأتى بالاستدراك بقوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
للتصريح بأن حال