تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
وجملة
إِنَّا نَراكَ
تعليل لانتفاء المستفاد من
نَبِّئْنا
. [ 37 ، 38 ]

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 37 إلى 38 ]

قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 ) جملة
قالَ لا يَأْتِيكُما
جواب عن كلامهما ففصلت على أسلوب حكاية جمل التحاور . أراد بهذا الجواب أن يفترص إقبالهما عليه وملازمة الحديث معه إذ هما يترقبان تعبيره الرؤيا فيدمج في ذلك دعوتهما إلى الإيمان الصحيح مع الوعد بأنّه يعبّر لهما رؤياهما غير بعيد ، وجعل لذلك وقتا معلوما لهم ، وهو وقت إحضار طعام المساجين إذ ليس لهم في السجن حوادث يوقتون بها ، ولأن انطباق الأبواب وإحاطة الجدران يحول بينهم وبين رؤية الشمس ، فليس لهم إلا حوادث أحوالهم من طعام أو نوم أو هبوب منه . ويظهر أن أمد إتيان الطعام حينئذ لم يكن بعيدا كما دل عليه قوله :
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
من تعجيله لهما تأويل رؤياهما وأنه لا يتريث في ذلك . ووصف الطعام بجملة
تُرْزَقانِهِ
تصريح بالضبط بأنه طعام معلوم الوقت لا ترقب طعام يهدى لهما بحيث لا ينضبط حصوله . وحقيقة الرزق : ما به النفع ، ويطلق على الطعام كقوله :
وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً
[ سورة آل عمران : 37 ] أي طعاما ، وقوله في سورة الأعراف [ 50 ]
أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
، وقوله :
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[ سورة مريم : 62 ] . ويطلق على الإنفاق المتعارف كقوله :
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
[ سورة النساء : 5 ] . ومن هنا يطلق على العطاء الموقت ، يقال : كان بنو فلان من مرتزقة الجند ، ورزق الجند كذا كل يوم . وضمير
بِتَأْوِيلِهِ
عائد إلى ما عاد إليه ضمير
بِتَأْوِيلِهِ
[ سورة يوسف : 36 ] الأول ، وهو المرئي أو المنام . ولا ينبغي أن يعود إلى طعام إذ لا يحسن إطلاق التأويل عن الأنباء بأسماء أصناف الطعام خلافا لما سلكه جمهور المفسرين . والاستثناء في قوله :
إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ
استثناء من أحوال متعددة تناسب