تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وأشار إلى مصائبه السابقة من الإبقاء في الجبّ ، ومشاهدة مكر إخوته به بقوله :
مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
، فكلمة
بَعْدِ
اقتضت أن ذلك شيء انقضى أثره . وقد ألم به إجمالا اقتصارا على شكر النعمة وإعراضا عن التذكير بتلك الحوادث المكدرة للصلة بينه وبين إخوته فمرّ بها مرّ الكرام وباعدها عنهم بقدر الإمكان إذ ناطها بنزغ الشيطان . والمجيء في قوله :
وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ
نعمة ، فأسنده إلى اللّه تعالى وهو مجيئهم بقصد الاستيطان حيث هو . والبدو : ضد الحضر ، سمي بدوا لأن سكانه بأدون ، أي ظاهرون لكل وارد ، إذ لا تحجبهم جدران ولا تغلق عليهم أبواب . وذكر
مِنَ الْبَدْوِ
إظهار لتمام النعمة ، لأن انتقال أهل البادية إلى المدينة ارتقاء في الحضارة . والنزغ : مجاز في إدخال الفساد في النفس . شبه بنزغ الراكب الدابّة وهو نخسها . وتقدم عند قوله تعالى :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ
في سورة الأعراف [ 200 ] . وجملة
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ
مستأنفة استئنافا ابتدائيا لقصد الاهتمام بها وتعليم مضمونها . واللطف : تدبير الملائم . وهو يتعدّى باللام على تقدير لطيف لأجل ما يشاء اللطف به ، ويتعدى بالباء قال تعالى :
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ
[ الشورى : 19 ] . وقد تقدم تحقيق معنى اللطف عند قوله تعالى :
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
في سورة الأنعام [ 103 ] . وجملة
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
مستأنفة أيضا أو تعليل لجملة
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ
. وحرف التوكيد للاهتمام ، وتوسيط ضمير الفصل للتقوية . وتفسير
الْعَلِيمُ
تقدم عند قوله تعالى :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
في سورة البقرة [ 32 ] . و
الْحَكِيمُ
تقدم عند قوله :
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
أواسط سورة البقرة [ 209 ] . [ 101 ]

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 101 ]

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 ) أعقب ذكر نعمة اللّه عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا والنعمة