انتقال من سوق هذه القصة إلى العبرة بتصميم المشركين على التكذيب بعد هذه الدلائل البينة ، فالواو للعطف على جملة
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
[ يوسف :
102 ] باعتبار إفادتها أن هذا القرآن وحي من اللّه وأنه حقيق بأن يكون داعيا سامعيه إلى الإيمان بالنبيء صلّى اللّه عليه وسلّم . ولما كان ذلك من شأنه أن يكون مطمعا في إيمانهم عقب بإعلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أكثرهم لا يؤمنون .
و
النَّاسِ
يجوز حمله على جميع جنس الناس ، ويجوز أن يراد به ناس معيّنون وهم القوم الذين دعاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكّة وما حولها ، فيكون عموما عرفيا .
وجملة
وَلَوْ حَرَصْتَ
في موضع الحال معترضة بين اسم
ما
وخبرها .
وَلَوْ
هذه وصلية ، وهي التي تفيد أن شرطها هو أقصى الأسباب لجوابها . وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى :
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ
في سورة آل عمران [ 91 ] .
وجواب
لَوْ
هو
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ
مقدّم عليها أو دليل الجواب .
والحرص : شدة الطلب لتحصيل شيء ومعاودته . وتقدم في قوله تعالى :
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
في آخر سورة براءة [ 128 ] .
وجملة
وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
معطوفة على جملة
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ
إلى آخرها باعتبار ما أفادته من التأييس من إيمان أكثرهم . أي لا يسوؤك عدم إيمانهم فلست تبتغي أن يكون إيمانهم جزاء على التبليغ بل إيمانهم لفائدتهم ، كقوله :
قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ
[ سورة الحجرات : 17 ] .
وضمير الجمع في قوله :
وَما تَسْئَلُهُمْ
عائد إلى الناس ، أي الذين أرسل إليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
وجملة
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
بمنزلة التعليل لجملة
وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
. والقصر إضافي ، أي ما هو إلا ذكر للعالمين لا لتحصيل أجر مبلّغه .
وضمير
عَلَيْهِ
عائد إلى القرآن المعلوم من قوله :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
[ يوسف : 102 ] .