تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
ورحمة وتجاوز منه تعالى عن سيئات عباده الصالحين ، وتقصيرهم وغفلاتهم ، فلو شاء لما تجاوز لهم عن شيء من ذلك فتورطوا كلهم . ولولا غفرانه لما كانوا أهلا لإصابة الخير ، لأنهم مع تفاوتهم في الكمال لا يخلون من قصور عن الفضل الخالد الذي هو الكمال عند اللّه ، كما أشار إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « إني ليغان على قلبي فأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة » . ويشير أيضا إلى أن اللّه قد تجاوز عن كثير من سيئات عباده المسرفين ولم يؤاخذهم إلا بما لا يرضى عنه بحال كما قال :
وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
[ الزمر : 7 ] ، وأنه لولا تجاوزه عن كثير لمسهم اللّه بضر شديد في الدنيا والآخرة . [ 108 ]

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 108 ]

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 108 ) استئناف ابتدائي هو كذيل لما مضى في السورة كلها وحوصلة لما جرى من الاستدلال والمجادلة والتخويف والترغيب ، ولذلك جاء ما في هذه الجملة كلاما جامعا وموادعة قاطعة . وافتتاحها ب
قُلْ
للتنبيه على أنه تبليغ عن اللّه تعالى فهو جدير بالتلقي . وافتتاح المقول بالنداء لاستيعاء سماعهم لأهمية ما سيقال لهم ، والخطاب لجميع الناس من مؤمن وكافر ، والمقصود منه ابتداء المشركون ، ولذلك أطيل الكلام في شأنهم ، وقد ذكر معهم من اهتدى تشريفا لهم . وأكد الخبر بحرف
قَدْ
تسجيلا عليهم بأن ما فيه الحق قد أبلغ إليهم وتحقيقا لكونه حقا . والحق : هو الدين الذي جاء به القرآن ، ووصفه ب
مِنْ رَبِّكُمْ
للتنويه بأنه حق مبين لا يخلطه باطل ولا ريب ، فهو معصوم من ذلك . واختيار وصف الرب المضاف إلى ضمير
النَّاسُ
على اسم الجلالة للتنبيه على أنه إرشاد من الذي يحب صلاح عباده ويدعوهم إلى ما فيه نفعهم شأن من يربّ ، أي يسوس ويدبر . وتفريع جملة :
فَمَنِ اهْتَدى
على جملة :
قَدْ جاءَكُمُ
للإشارة إلى أن مجيء
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 194 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور