تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
بِقِنْطارٍ
[ آل عمران : 75 ] أي سلطانا عليه ، أي دليلا . وضمير ( به ) عائد إلى ( ما ) وهو الرابط للصّلة . فمعنى نفي تنزيل الحجّة على الشّركاء : نفي الحجّة الدّالة على إثبات صفة الشّركة مع اللّه في الإلهيّة ، فهو من تعليق الحكم بالذّات والمراد وصفها ، مثل حرّمت عليكم الميتة أي أكلها . وهذه الصّلة مؤذنة بتخطئة المشركين ، ونفي معذرتهم في الإشراك ، بأنّه لا دليل يشتبه على النّاس في عدم استحقاق الأصنام العبادة ، فعرّف الشّركاء المزعومين تعريفا لطريق الرسم بأنّ خاصّتهم : أنّ لا سلطان على شركتهم للّه في الإلهية ، فكلّ صنم من أصنامهم واضحة فيه هذه الخاصّة ، فإنّ الموصول وصلته من طرق التّعريف ، وليس ذلك كالوصف ، وليس للموصول وصلته مفهوم مخالفة ، ولا الموصولات معدودة في صيغ المفاهيم ، فلا يتّجه ما أورده الفخر من أن يقول قائل : هذا يوهم أن من بين الشّرك ما أنزل اللّه به سلطانا واحتياجه إلى دفع هذا الإيهام ، ولا ما قفاه عليه صاحب « الانتصاف » من تنظير نفي السّلطان في هذه الآية بنحو قول امرئ القيس : على لاحب لا يهتدى بمناره ولا يتّجه ما نحاه صاحب « الكشاف » من إجراء هذه الصّلة على طريقة التّهكّم . وقوله :
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
تقدّم نظيره آنفا عند قوله تعالى ، في هذه السّورة :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
[ الأعراف : 28 ] . وقد جمعت هذه الآية أصول أحوال أهل الجاهليّة فيما تلبسوا به من الفواحش والآثام ، وهم يزعمون أنّهم يتورّعون عن الطّواف في الثّياب ، وعن أكل بعض الطّيّبات في الحجّ . وهذا من ناحية قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ
[ البقرة : 217 ] . [ 34 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 34 ]

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 34 ) اعتراض بين جملة :
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ
[ الأعراف : 31 ] وبين جملة :
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
[ الأعراف : 35 ] لمّا نعى اللّه على المشركين ضلالهم وتمرّدهم . بعد أن دعاهم إلى الإيمان ، وإعراضهم عنه ، بالمجادلة والتّوبيخ وإظهار نقائصهم بالحجّة البيّنة ، وكان حالهم حال من لا يقلع عمّا هم فيه ، أعقب ذلك بإنذارهم ووعيدهم إقامة للحجّة عليهم وإعذارا لهم قبل حلول العذاب بهم .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 78 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور