تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
الشّيطان إلى إظهار كيده للنّاس من ابتداء خلقهم ، إذ كاد لأصلهم . والنّداء بعنوان بني آدم : للوجه الذي ذكرته في الآية قبلها ، مع زيادة التّنويه بمنّة اللّباس توكيدا للتّعريض بحماقة الذين يحجّون عراة . وقد نهوا عن أن يفتنهم الشّيطان ، وفتون الشّيطان حصول آثار وسوسته ، أي لا تمكّنوا الشّيطان من أن يفتنكم ، والمعنى النّهي عن طاعته ، وهذا من مبالغة النّهي ، ومنه قول العرب لا أعرفنّك تفعل كذا : أي لا تفعلن فأعرف فعلك ، لا أرينّك هنا : أي لا تحضرن هنا فأراك ، فالمعنى لا تطيعوا الشّيطان في فتنه فيفتنكم ومثل هذا كناية عن النّهي عن فعل والنّهي عن التّعرّض لأسبابه . وشبّه الفتون الصّادر من الشّيطان للنّاس بفتنه آدم وزوجه إذ أقدمهما على الأكل من الشّجرة المنهي عنه ، فأخرجهما من نعيم كانا فيه ، تذكيرا للبشر بأعظم فتنة فتن الشّيطان بها نوعهم ، وشملت كلّ أحد من النّوع ، إذ حرم من النّعيم الذي كان يتحقق له لو بقي أبواه في الجنّة وتناسلا فيها ، وفي ذلك أيضا تذكير بأنّ عداوة البشر للشّيطان موروثة ، فيكون أبعث لهم على الحذر من كيده . و ( ما ) في قوله :
كَما أَخْرَجَ
مصدريّة ، والجار والمجرور في موضع الصّفة لمصدر محذوف هو مفعول مطلق ليفتننّكم ، والتّقدير : فتونا كإخراجه أبويكم من الجنّة ، فإنّ إخراجه إياهما من الجنّة فتون عظيم يشبه به فتون الشّيطان حين يراد تقريب معناه للبشر وتخويفهم منه . والأبوان تثنية الأب ، والمراد بهما الأب والأمّ على التّغليب ، وهو تغليب شائع في الكلام وتقدّم عند قوله تعالى :
وَلِأَبَوَيْهِ
في سورة النّساء [ 11 ] . وأطلق الأب هنا عن الجدّ لأنّه أب أعلى ، كما في قول النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم : « أنا ابن عبد المطّلب » . وجملة :
يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما
في موضع الحال المقارنة من الضّمير المستتر في :
أَخْرَجَ
أو من :
أَبَوَيْكُمْ
والمقصود من هذه الحال تفظيع هيئة الإخراج بكونها حاصلة في حال انكشاف سوآتهما لأنّ انكشاف السوءة من أعظم الفظائع في متعارف النّاس . والتّعبير عمّا مضى بالفعل المضارع لاستحضار الصّورة العجيبة من تمكّنه من أن يتركهما عريانين . واللّباس تقدّم قريبا ، ويجوز هنا أن يكون حقيقة وهو لباس جلّلهما اللّه به في تلك الجنّة يحجب سوآتهما ، كما روي أنّه حجاب من نور ، وروي أنّه كقشر الأظفار وهي