تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
محمّدا صلى اللّه عليه وسلّم ، فهم المقصود من هذا الكلام كيفما تفنّنت أساليبه وتناسق نظمه ، وأيّا ما كان فالمقصود الأوّل من هذه الخطابات أو من حكايتها هم مشركو العرب ومكذّبو محمّد صلى اللّه عليه وسلّم ، ولذلك تخللت هذه الخطابات مستطردات وتعريضات مناسبة لما وضعه المشركون من التّكاذيب في نقض أمر الفطرة . والجمل الثّلاث من قوله :
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً
- وقوله -
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ
[ الأعراف : 27 ] - وقوله -
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
[ الأعراف : 31 ] متّصلة تمام الاتّصال بقصّة فتنة الشّيطان لآدم وزوجه ، أو متّصلة بالقول المحكي بجملة :
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ
[ الأعراف : 25 ] على طريقة تعداد المقول تعدادا يشبه التّكرير . وهذا الخطاب يشمل المؤمنين والمشركين ، ولكن الحظّ الأوفر منه للمشركين : لأنّ حظّ المؤمنين منه هو الشّكر على يقينهم بأنّهم موافقون في شؤونهم لمرضاة ربّهم ، وأمّا حظّ المشركين فهو الإنذار بأنّهم كافرون بنعمة ربّهم ، معرّضون لسخطه وعقابه . وابتدئ الخطاب بالنّداء ليقع إقبالهم على ما بعده بشراشر قلوبهم ، وكان لاختيار استحضارهم عند الخطاب بعنوان بني آدم مرّتين وقع عجيب ، بعد الفراغ من ذكر قصّة خلق آدم وما لقيه من وسوسة الشّيطان : وذلك أنّ شأن الذرّية أن تثأر لآبائها ، وتعادي عدوّهم ، وتحترس من الوقوع في شركه . ولمّا كان إلهام اللّه آدم أن يستر نفسه بورق الجنّة منّة عليه ، وقد تقلّدها بنوه ، خوطب النّاس بشمول هذه المنّة لهم بعنوان يدلّ على أنّها منّة موروثة ، وهي أوقع وأدعى للشّكر ، ولذلك سمّى تيسير اللّباس لهم وإلهامهم إياه إنزالا ، لقصد تشريف هذا المظهر ، وهو أوّل مظاهر الحضارة ، بأنّه منزّل على النّاس من عند اللّه ، أو لأنّ الذي كان منه على آدم نزل به من الجنّة إلى الأرض التي هو فيها ، فكان له في معنى الإنزال مزيد اختصاص ، على أنّ مجرّد الإلهام إلى استعماله بتسخير إلهي ، مع ما فيه من عظيم الجدوى على النّاس والنّفع لهم ، يحسّن استعارة فعل الإنزال إليه ، تشريفا لشأنه ، وشاركه في هذا المعنى ما يكون من الملهمات عظيم النّفع ، كما في قوله :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
[ الحديد : 25 ] أي أنزلنا الإلهام إلى استعماله والدّفاع به ، وكذلك قوله :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
[ الزمر : 6 ] أي : خلقها لكم في الأرض بتدبيره ، وعلّمكم استخدامها والانتفاع بما فيها ، ولا يطرد في جميع ما ألهم إليه البشر ممّا هو دون هذه في