تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
الجدوى ، وقد كان ذلك اللّباس الذي نزل به آدم هو أصل اللّباس الذي يستعمله البشر . وهذا تنبيه إلى أنّ اللّباس من أصل الفطرة الإنسانيّة ، والفطرة أوّل أصول الإسلام ، وأنّه ممّا كرم اللّه به النّوع منذ ظهوره في الأرض ، وفي هذا تعريض بالمشركين إذ جعلوا من قرباتهم نزع لباسهم بأن يحجّوا عراة كما سيأتي عند قوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ
[ الأعراف : 32 ] فخالفوا الفطرة ، وقد كان الأمم يحتفلون في أعياد أديانهم بأحسن اللّباس ، كما حكى اللّه عن موسى عليه السّلام وأهل مصر :
قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
[ طه : 59 ] . واللّباس اسم لما يلبسه الإنسان أي يستر به جزءا من جسده ، فالقميص لباس ، والإزار لباس ، والعمامة لباس ، ويقال لبس التّاج ولبس الخاتم قال تعالى :
وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
[ فاطر : 12 ] ومصدر لبس اللّبس - بضمّ اللّام - . وجملة :
يُوارِي سَوْآتِكُمْ
صفة ( للباسا ) وهو صنف اللّباس اللّازم ، وهذه الصّفة صفة مدح اللّباس أي من شأنه ذلك وإن كان كثير من اللّباس ليس لمواراة السوآت مثل العمامة والبرد والقباء وفي الآية إشارة إلى وجوب ستر العورة المغلظة ، وهي السوأة ، وأمّا ستر ما عداها من الرّجل والمرأة فلا تدلّ الآية عليه ، وقد ثبت بعضه بالسنّة ، وبعضه بالقياس والخوض في تفاصيلها وعللها من مسائل الفقه . والرّيش لباس الزّينة الزائد على ما يستر العورة ، وهو مستعار من ريش الطّير لأنّه زينته ، ويقال للباس الزّينة رياش . وعطف ( ريشا ) على :
لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ
عطف صنف على صنف ، والمعنى يسّرنا لكم لباسا يستركم ولباسا تتزيّنون به . وقوله :
وَلِباسُ التَّقْوى
قرأه نافع ، وابن عامر ، والكسائي ، وأبو جعفر : بالنّصب ، عطفا على
لِباساً
فيكون من اللّباس المنزل أي الملهم ، فيتعيّن أنّه لباس حقيقة أي شيء يلبس . والتّقوى ، على هذه القراءة ، مصدر بمعنى الوقاية ، فالمراد : لبوس الحرب ، من الدّروع والجواشن والمغافر . فيكون كقوله تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ
[ النحل : 81 ] . والإشارة باسم الإشارة المفرد بتأويل المذكور ، وهو اللّباس بأصنافه الثّلاثة ، أي خير أعطاه اللّه بني آدم . فالجملة مستأنفة أو حال من
لِباساً
وما عطف عليه .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 58 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور