تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
الفطري ، حيث لا ملقّن يلقّنهما ذلك ، ولا تعليم يعلمهما ، تقرّر في نفوس النّاس أنّ كشف العورة قبيح في الفطرة ، وأنّ سترها متعيّن ، وهذا من حكم القوّة الواهمة الذي قارن البشر في نشأته ، فدلّ على أنّه وهم فطري متأصّل ، فلذلك جاء دين الفطرة بتقرير ستر العورة ، مشايعة لما استقرّ في نفوس البشر ، وقد جعل اللّه للقوّة الواهمة سلطانا على نفوس البشر في عصور طويلة ، لأنّ في اتّباعها عونا على تهذيب طباعه ، ونزع الجلافة الحيوانية من النّوع ، لأنّ الواهمة لا توجد في الحيوان ، ثمّ أخذت الشّرائع ، ووصايا الحكماء ، وآداب المربّين ، تزيل من عقول البشر متابعة الأوهام تدريجا مع الزّمان ، ولا يبقون منها إلّا ما لا بد منه لاستبقاء الفضيلة في العادة بين البشر ، حتّى جاء الإسلام وهو الشّريعة الخاتمة فكان نوط الأحكام في دين الإسلام بالأمور الوهميّة ملغى في غالب الأحكام ، كما فصّلته في كتاب « مقاصد الشّريعة » وكتاب « أصول نظام الاجتماع في الإسلام » . والخصف حقيقته تقوية الطّبقة من النّعل بطبقة أخرى لتشتدّ ، ويستعمل مجازا مرسلا في مطلق التّقوية للخرقة والثّوب ، ومنه ثوب خصيف أي مخصوف أي غليظ النّسج لا يشف عمّا تحته ، فمعنى يخصفان يضعان على عوراتهما الورق بعضه على بعض كفعل الخاصف ، وضعا ملزقا متمكّنا ، وهذا هو الظّاهر هنا إذ لم يقل يخصفان ورق الجنّة . و ( من ) في قوله :
مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ
يجوز كونها اسما بمعنى بعض في موضع مفعول
يَخْصِفانِ
أي يخصفان بعض ورق الجنة ، كما في قوله :
مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ
، ويجوز كونها بيانيّة لمفعول محذوف يقتضيه : «
يَخْصِفانِ
والتقدير : يخصفان خصفا من ورق الجنة . [ 23 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 23 ]

قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) عطف على جواب ( لمّا ) ، فهو ممّا حصل عند ذوق الشّجرة ، وقد رتب الإخبار عن الأمور الحاصلة عند ذوق الشّجرة على حسب ترتيب حصولها في الوجود . فإنّهما بدت لهما سوآتهما فطفقا يخصفان . وأعقب ذلك نداء اللّه إيّاهما . وهذا أصل في ترتيب الجمل في صناعة الإنشاء ، إلّا إذا اقتضى المقام العدول عن ذلك ، ونظير هذا الترتيب ما في قوله تعالى :
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ
[ هود : 77 ] وقد بيّنته في كتاب « أصول الإنشاء والخطابة »
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 50 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور