تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
أحصّ فلا أجير ومن أجره * فليس كمن يدلّى بالغرور
وعلى هذا الاستعمال ففعل دلّى يستعمل قاصرا ، ويستعمل متعدّيا إذا جعل غيره مدلّيا ، هذا ما يؤخذ من كلام أهل اللّغة في هذا اللّفظ ، وفيه تفسيرات أخرى لا جدوى في ذكرها . ودلّ قوله :
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ
على أنّهما فعلا ما وسوس لهما الشّيطان ، فأكلا من الشّجرة ، فقوله :
فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ
ترتيب على دلاهما بغرور فحذفت الجملة واستغني عنها بإيراد الاسم الظّاهر في جملة شرط لمّا ، والتّقدير : فأكلا منها ، كما ورد مصرّحا به في سورة البقرة ، فلمّا ذاقاها بدت لهما سوآتهما . والذّوق إدراك طعم المأكول أو المشروب باللّسان ، وهو يحصل عند ابتداء الأكل أو الشّرب ، ودلت هذه الآية على أن بدوّ سوآتهما حصل عند أوّل إدراك طعم الشّجرة ، دلالة على سرعة ترتّب الأمر المحذور عند أوّل المخالفة ، فزادت هذه الآية على آية البقرة . وهذه أوّل وسوسة صدرت عن الشّيطان . وأوّل تضليل منه للإنسان . وقد أفادت ( لما ) توقيت بدوّ سوآتهما بوقت ذوقهما الشّجرة ، لأنّ ( لما ) حرف يدل على وجود شيء عند وجود غيره ، فهي لمجرّد توقيت مضمون جوابها بزمان وجود شرطها ، وهذا معنى قولهم : حرف وجود لوجود ( فاللّام في قولهم لوجود بمعنى ( عند ) ولذلك قال بعضهم هي ظرف بمعنى حين ، يريد باعتبار أصلها ، وإذ قد التزموا فيها تقديم ما يدل على الوقت لا على الموقت ، شابهت أدوات الشّرط فقالوا حرف وجود لوجود كما قالوا في ( لو ) حرف امتناع لامتناع ، وفي ( لولا ) حرف امتناع لوجود ، ولكن اللّام في عبارة النّحاة في تفسير معنى لو ولولا ، هي لام التّعليل ، بخلافها في عبارتهم في ( لما ) لأنّ ( لما ) لا دلالة لها على سبب ، ألا ترى قوله تعالى :
فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
[ الإسراء : 67 ] إذ ليس الإنجاء بسبب للإعراض ، ولكن لمّا كان بين السّبب والمسبّب تقارن كثر في شرط ( لما ) وجوابها معنى السّببية دون اطراد ، فقوله تعالى :
فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما
لا يدلّ على أكثر من حصول ظهور السوآت عند ذوق الشّجرة ، أي أنّ اللّه جعل الأمرين مقترنين في الوقت ، ولكن هذا التّقارن هو لكون الأمرين مسبّبين عن سبب واحد ، وهو خاطر السوء الذي نفثه الشّيطان فيهما ، فسبب الإقدام على المخالفة للتّعاليم الصّالحة ، والشّعور بالنقيصة : فقد كان آدم وزوجه في طور سذاجة العلم ، وسلامة الفطرة ، شبيهين بالملائكة لا يقدمان على مفسدة ولا مضرة ، ولا يعرضان عن نصح ناصح