تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
قد علم حينئذ أنّ الخلود متعذر ، وأنّ الموت والحشر والبعث مكتوب على النّاس ، فإنّ ذلك يتلقّى من الوحي كما في قوله تعالى لهما في الآية الأخرى :
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ *
[ البقرة : 36 ] .
وَقاسَمَهُما
أي حلف لهما بما يوهم صدقه ، والمقاسمة مفاعلة من أقسم إذا حلف ، حذفت منه الهمزة عند صوغ المفاعلة ، كما حذفت في المكارمة ، والمفاعلة هنا للمبالغة في الفعل ، وليست لحصول الفعل من الجانبين ، ونظيرها : عافاه اللّه ، وجعله في « الكشاف » : كأنّهما قالا له تقسم باللّه إنّك لمن النّاصحين فأقسم فجعل طلبهما القسم بمنزلة القسم ، أي فتكون المفاعلة مجازا ، قال أو أقسم لهما بالنّصيحة وأقسما له بقبولها ، فتكون المفاعلة على بابها ، وتأكيد إخباره عن نفسه بالنّصح لهما بثلاث مؤكدات دليل على مبلغ شكّ آدم وزوجه في نصحه لهما ، وما رأى عليهما من مخائل التّردّد في صدقه ، وإنّما شكّا في نصحه لأنّهما وجدا ما يأمرهما مخالفا لما أمرهما اللّه الذي يعلمان إرادته بهما الخير علما حاصلا بالفطرة . [ 22 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 22 ]

فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 22 )
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ
. تفريع على جملة :
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ
[ الأعراف : 20 ] وما عطف عليها . ومعنى
فَدَلَّاهُما
أقدمهما ففعلا فعلا يطمعان به في نفع فخابا فيه ، وأصل دلّى ، تمثيل حال من يطلب شيئا من مظنّته فلا يجده بحال من يدلّي دلوه أو رجليه في البئر ليستقي من مائها فلا يجد فيها ماء فيقال : دلّى فلان ، يقال دلّى كما يقال أدلى . والباء للملابسة أي دلاهما ملابسا للغرور أي لاستيلاء الغرور عليه إذ الغرور هو اعتقاد الشيء نافعا بحسب ظاهر حاله ولا نفع فيه عند تجربته ، وعلى هذا القياس يقال دلّاه بغرور إذا أوقعه في الطّمع فيما لا نفع فيه ، كما في هذه الآية وقول أبي جندب الهذلي ( هو ابن مرّة ولم أقف على تعريفه فإن كان إسلاميا كان قد أخذ قوله كمن يدلّى بالغرور من القرآن ، وإلّا كان مثلا مستعملا من قبل ) :