تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
طوى القرآن هنا ذكر التّوبة على آدم : لأنّ المقصود من القصّة في هذه السّورة التّذكير بعداوة الشّيطان وتحذير النّاس من اتّباع وسوسته ، وإظهار ما يعقبه اتّباعه من الخسران والفساد ، ومقام هذه الموعظة يقتضي الإعراض عن ذكر التّوبة للاقتصار على أسباب الخسارة ، وقد ذكرت التّوبة في آية البقرة المقصود منها بيان فضل آدم وكرامته عند ربّه ، ولكلّ مقام مقال . والخطاب لآدم وزوجه وإبليس . والأمر تكويني ، وبه صار آدم وزوجه وإبليس من سكّان الأرض . وجملة :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
في موضع الحال من ضمير :
اهْبِطُوا
المرفوع بالأمر التّكويني فهذه الحال أيضا تفيد معنى تكوينيا وهو مقارنة العداوة بينهم لوجودهما في الأرض ، وهذا التّكوين تأكّدت به العداوة الجبلية السّابقة فرسخت وزادت ، والمراد بالبعض البعض المخالف في الجنس ، فأحد البعضين هو آدم وزوجه ، والبعض الآخر هو إبليس ، وإذ قد كانت هذه العداوة تكوينيّة بين أصلي الجنسين ، كانت موروثة في نسليهما ، والمقصود تذكير بني آدم بعداوة الشّيطان لهم ولأصلهم ليتّهموا كلّ وسوسة تأتيهم من قبله ، وقد نشأت هذه العداوة عن حسد إبليس ، ثمّ سرت وتشجرت فصارت عداوة تامة في سائر نواحي الوجود ، فهي منبثّة في التّفكير والجسد ، ومقتضية تمام التّنافر بين النّوعين . وإذ قد كانت نفوس الشّياطين داعية إلى الشرّ بالجبلة تعين أن عقل الإنسان منصرف بجبلته إلى الخير ، ولكنّه معرّض لوسوسة الشّياطين فيقع في شذوذ عن أصل فطرته ، وفي هذا ما يكون مفتاحا لمعنى كون النّاس يولدون على الفطرة ، وكون الإسلام دين الفطرة ، وكون الأصل في النّاس الخير . أمّا كون الأصل في النّاس العدالة أو الجرح فذلك منظور فيه إلى خشية الوقوع في الشّذوذ ، من حيث لا يدري الحاكم ولا الراوي ، لأنّ أحوال الوقوع في ذلك الشّذوذ مبهمة فوجب التّبصّر في جميع الأحوال . وعطفت جملة :
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ
على جملة :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
. والمستقرّ مصدر ميمي والاستقرار هو المكث وقد تقدّم القول فيه عند قوله تعالى :
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
[ الأنعام : 67 ] - وقوله -
فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
في سورة الأنعام [ 98 ] . والمراد به الوجود أي وجود نوع الإنسان وبخصائصه وليس المراد به الدفن كما فسر به بعض المفسرين لأنّ قوله ومتاع يصد عن ذلك ولأنّ الشّياطين والجنّ لا يدفنون في الأرض .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 53 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور