تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
ليعم كل ما تحويه السماوات والأرض مما يقع عملية عملية الثقل بمعنى الشدة . وجملة :
لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً
مستأنفة جاءت تكملة للإخبار عن وقت حلول الساعة ، لأن الإتيان بغتة يحقق مضمون الإخبار عن وقتها بأنه غير معلوم إلّا للّه ، وبأن اللّه غير مظهره لأحد ، فدل قوله :
لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً
على أن انتفاء إظهار وقتها انتفاء متوغل في نوعه بحيث لا يحصل العلم لأحد بحلولها بالكنه ولا بالإجمال ، وأما ما ذكر لها من أمارات في حديث سؤال جبريل عن أماراتها فلا ينافي إتيانها بغتة ، لأن تلك الأمارات ممتدة الأزمان بحيث لا يحصل معها تهيؤ للعلم بحلولها . و « البغتة » مصدر على زنة المرّة من البغت وهو المفاجأة أي الحصول بدون تهيؤ له ، وقد مضى القول فيها عند قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً
في سورة الأنعام [ 31 ] . وجملة :
يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها
مؤكدة لجملة :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ
ومبينة لكيفية سؤالهم فلذينك فصلت . وحذف متعلق السؤال لعلمه من الجملة الأولى . و
حَفِيٌّ
فعيل فيجوز أن يكون بمعنى فاعل مشتقا من حفي به ، مثل غني فهو غني إذا أكثر السؤال عن حاله تلطفا ، ويكون المعنى كأنك أكثرت السؤال عن وقتها حتى علمته ، فيكون وصف حفي كناية عن العالم بالشيء ، لأن كثرة السؤال تقتضي حصول العلم بالمسؤول عنه ، وبهذا المعنى فسر في « الكشاف » فهو من الكناية بالسؤال عن طلب العلم ، لأن السؤال سبب العلم ، كقول السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو غيرهما :
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم * فليس سواء عالم وجهول
وقول عامر بن الطفيل :
طلقت إن لم تسألي أي فارس * حليلك إذ لاقى صداء وخثعها
وقول أنيف بن زبّان النبهاني :
فلما التقينا بين السيف بيننا * لسائلة عنّا حفيّ سؤالها
ويجوز أن يكون مشتقا من أحفاه إذا ألح عليه في فعل ، فيكون فعيلا بمعنى مفعل