تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
النازعات [ 42 ]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
- وقوله -
عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ
[ النبأ : 1 - 3 ] يعني البعث والساعة ، ومن المفسرين من قال : المعني بالسائلين اليهود أرادوا امتحان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فسألوه عن الساعة ، وهذا لا يكون سبب نزول الآية ، لأن هذه السورة مكية ، قيل كلها ، وقيل إن آيتين منها نزلتا بالمدينة ، ولم يعدوا هذه الآية ، فيما اختلف في مكان نزوله والسور التي حكي فيها مثل هذا السؤال مكية أيضا نازلة قبل هذه السورة . والساعة معرّفة باللام علم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء هذا العالم الدنيوي والدخول في العالم الأخروي ، وتسمى : يوم البعث ، ويوم القيامة . و
أَيَّانَ
اسم يدل على السؤال عن الزمان وهو جامد غير متصرف مركب من ( أي ) الاستفهامية و ( آن ) وهو الوقت ، ثم خففت ( أي ) وقلبت همزة ( آن ) ياء ليتأتى الإدغام ، فصارت ( أيّان ) بمعنى أي زمان ، ويتعين الزمان المسؤول عنه بما بعد ( أيان ) ، ولذلك يتعين أن يكون اسم معنى لا اسم ذات ، إذ لا يخبر بالزمان عن الذات ، وأما استعمالها اسم شرط لعموم الأزمنة فذلك بالنقل من الاستفهام إلى الشرط كما نقلت ( متى ) من الاستفهام إلى الشرطية ، وهي توسيعات في اللغة تصير معاني متجددة ، وقد ذكروا في اشتقاق ( أيان ) احتمالات يرجعون بها إلى معاني أفعال ، وكلها غير مرضية ، وما ارتأيناه هنا أحسن منها . فقوله :
أَيَّانَ
خبر مقدم لصدارة الاستفهام ، و
مُرْساها
مبتدأ مؤخر ، وهو في الأصل مضاف إليه آن الأصل أي ( آن ) آن مرسى الساعة . وجملة :
أَيَّانَ مُرْساها
في موضع نصب بقول محذوف دل عليه فعل
يَسْئَلُونَكَ
والتقدير : يقولون أيان مرساها ، وهو حكاية لقولهم بالمعنى ، ولذلك كانت الجملة في معنى البدل عن جملة :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ
. والمرسى مصدر ميمي من الإرساء وهو الإقرار يقال رسا الجبل ثبت ، وأرساه أثبته وأقره ، والإرساء الاستقرار بعد السير كما قال الأخطل : وقال رائدهم أرسوا نزاولها ومرسى السفينة استقرارها بعد المخر قال تعالى :
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
[ هود : 41 ] ، وقد أطلق الإرساء هنا استعارة للوقوع تشبيها لوقوع الأمر الذي كان مترقبا أو متردد